منها: قوله ﵊: " المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحلَّ حراماً، أو حرم حلالا " وهذه ليست مما يحل حراماً، ولا مما يحرم حلالا.
ومنها: أنه ﷺ " نهى عن الثنيا إلا أن يعلم "، وهذه شروط واستثناءات معلومة، فتكون غير داخلة في النهى.
ومنها- حديث جابر، الذي معنا، إذ شرط على النبي ﷺ ظهر جمله إلى المدينة. وليس في هذه الشروط شيء من المحاذير، كالربا، والغرر، والضرر، والظلم. فكيف تكون محرمة والأصل في المعاملات الإباحة، والسعة؟ وكما أنه لا مفسدة فيها، فليست- أيضا- وسيلة إلى المفسدة.
وأجابه عن أدلة المفسدين للعقد مع الشرط، بأن حديث " نهى النبي عن الثنيا إلا أن يعلم" مفهومه دليل من أدلتنا، فهو رد عليكم. وأما حديث نهى عن بيع وشرط، فلم يصح، وإنما الوارد " لا يحل شرطان في بيع ".
اختلاف العلماء:
واختلف العلماء في تفسير الشرطين. وأحسن ما فُسرا به، أن المراد بذلك "مسألة العينة". وهى أن يقول: " خذ هذه السلعة بعشرة نقداً، وآخذها منك بعشرين نسيئة ".
فهذا هو المعنى المطابق لمعنى الحديث، وهو نظير البيعتين في ييعة، الذي قال فيه ﷺ: " من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسُهُماَ، أو الربا " وقد فسر ببيع العينة. ولا يحتمل حديث الشرطين في بيع، غير هذا المعنى. والمراد بالشرطين: الأول: العقد نفسه، فإنه عهد تشارطا على الوفاء به. والثاني: - ما صحبه من شرط العقد مرة أخرى بأزيد من الثمن الأول.
وأما حديث جابر، فلا يرد عليه أنه قصد به الهبة، لا البيع حقيقة. فإننا لو فرضنا أن النبي ﷺ لم يقصد البيع حقيقة، فلم يكن معلوما لـ" جابر " وهو الذي ابتدأ شرط ظهر الجمل، فكأن هذا الشيء معلوم جوازه لديهم.
وأيضاً فإن النبي ﷺ أقره على شرطه، وهو لا يقر على باطل، لا في جد، ولا في هَزْلٍ. وأما الاعتراض على الحديث باختلاف الرواة في ألفاظه، فقد أجاب عن ذلك العلامة " ابن دقيق العيد " بما نصه: " هذا صحيح لكن بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها. أما إذا كان الترجيح واقعا لبعضها- لأن رواته أكثر وأحفظ- فينبغي العمل بها، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالاًقوى، والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح. فتمسك بهذا الأصل، فإنه نافع في مواضيع عديدة" ا. هـ.