استثبت النبي ﷺ عن حاله، فسأله: هل به من جنون؟ قال: لا، وسأل أهله عن عقله، فأثنوا عليه خيرا.
ثم سأله: هل هو محصن أم بكر لا يجب عليه الرجم؟ فأخبره أنه محصن.
وسأله: لعله لم يأت ما يوجب الحد، من لمس أو تقبيل. فصرح بحقيقة الزنا.
فلما استثبت ﷺ من كل ذلك، وتحقق من وجوب إقامة الحد، أمر أصحابه أن يذهبوا به فيرجموه.
فخرجوا به إلى بقيع الغرقد -وهو مصلى الجنائز- فرجموه.
فلما أحس بحر الحجارة، طلبت النفس البشرية النجاة، ورغبت في الفرار من الموت فهرب.
فأدركوه بالحرة، فأجهزوا عليه حتى مات. ﵀، ورضي عنه.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن الزنا يثبت بالإقرار كما يثبت بالشهادة، ويأتي: هل يكفي الإقرار مرة، أم لابد من الإقرار أربع مرات كما في هذا الحديث؟.
٢- أن المجنون لا يعتبر إقراره، ولا يثبت عليه الحد، لأن اشرط الحد التكليف.
٣- أنه يجب على القاضي والمفتي، فالتثبت في الأحكام، والسؤال بالتفضيل عما يجب الاستفسار عنه، مما يغير الحكم في المسألة.
فإن النبي ﷺ سأل المقر- هنا- عن عمله، حتى تبين له أنه فعل حقيقة الزنا.
وسأل أهله عن عقله، وأعرض عنه حتى كرر الإقرار، وستثبت منه. قال في فتح الباري: فقد بالغ سلى الله عليه وسلم في الاستثبات غاية المبالغة، وهذا وقع بعد إقراره أربع مرات فهو يؤكد اشتراط العد، لأن هذا الاستثبات العجيب وقع بعده.
٤- أن حد المحصن الزاني رجمه بالحجارة حتى يموت، ولا يحفر له عند الرجم.
٥- أنه لا يشرط في إقامة الحد، حضور الإمام أو نائبه.
والأولى حضور أحدهما ليؤمن الحيف والتلاعب بحدود الله تعالى.
٦- جواز إقامة الحدود في مصلى الجنائز.
وكانوا في الأول، يجعلون للصلاة على الجنائز مصلّى خاصا.
٧- أن الحد كفارة للمعصية التي أقيم الحد لها، وهم إجماع.
وقد جاء صريحا في قوله ﵊: "من فعل شيئا من ذلك، فعوقب في الدنيا، فهو كفارته".
٨- وأن إثم المعاصي يسقط بالتوبة النصوح، وهو إجماع المسلمين أيضاً.
٩- إعراض الإمام والحاكم عن المقر على نفسه بالزنا، لعله فعل ما لا يوجب الحد، فظنه موجبا، والحدود تدرأ بالشبهات.