٣١٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ، حَدَّثَنِي الرِّيَاشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ الْقَاضِي فِي إِسْنَادٍ لَهُ؛ قَالَ: ⦗٢٢٧⦘ صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ صَلاةَ الصُّبْحِ يَوْمًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ قَامَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ فِي آخِرِ النَّاسِ وَكَانَ رَجُلا أَعْوَرَ دَمِيمًا، فَاتَّكَأَ عَلَى قَوْسِهِ، ثُمَّ قَالَ:
(نِعْمَ الْقَتِيلُ إِذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ... خَلْفَ الْبُيُوتِ قَتَلْتَ يَا ابْنَ الأَزْوَرِ ⦗٢٢٨⦘)
(أَدَعَوْتَهُ بِاللهِ ثُمَّ غَدَرْتَهُ ... لَوْ هُوَ دَعَاكَ بِذِمَّةٍ لَمْ يَغْدُرِ)
وَأَوْمَأَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَاللهِ! مَا دَعَوْتُهُ وَلا غَدَرْتُ بِهِ. ثُمَّ بَكَى مُتَمِّمٌ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى سِيَّةِ قَوْسِهِ حَتَّى دَمَعَتْ عَيْنُهُ الْعَوْرَاءُ، ثُمَّ أَتَمَّ شِعْرَهُ يَقُولُ:
(لا يُمْسِكُ الْعَوْرَاءُ تَحْتَ ثِيَابِهِ ... حُلْوٌ شَمَائِلُهُ عَفِيفُ الْمِئْزَرِ)
(وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ كُنْتَ وَحَاسِرًا ... وَلَنِعْمَ مَأْوَى الطَّارِقِ الْمُتَنَوِّرِ)
فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁، فَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّكَ رَثَيْتَ أَخِي بِمَا رَثَيْتَ أَخَاكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَفْصٍ! لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَخِي حَيْثُ صَارَ أَخُوكَ مَا رَثَيْتُهُ. يَقُولُ: إِنَّ أَخَاكَ قُتِلَ شَهِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: مَا عَزَّانِي أَحَدٌ بِمِثْلِ تَعْزِيَتِكَ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ رَثَى زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَلَمْ يُجِدْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَمْ أَرَكَ رَثَيْتَ زَيْدًا كَمَا رَثَيْتَ أَخَاكَ مَالِكًا. فَقَالَ: إِنَّهُ وَاللهِ يُحَرِّكُنِي لِمَالِكٍ مَا لا يُحَرِّكُنِي لِزَيْدٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَوْمًا: إِنَّكَ لَجَزْلٌ؛ فَأَيْنَ كَانَ أَخُوكَ مِنْكَ؟ فَقَالَ: كَانَ وَاللهِ أَخِي في اللَّيْلَةِ ذَاتِ الأَزِيزِ وَالصُّرَادِ يركب الْجَمَلَ الثَّفَالَ بَيْنَ الْمَزَادَتَيْنِ، ويجتنب الفرس الحزور، وَعَلَيْهِ الشَّمْلَةُ الْفَلُوتُ، وَفِي يَدِهِ الرُّمْحُ الثَّقِيلُ؛ حَتَّى يُصْبِحَ مُتَهَلِّلا، وَلَقَدْ أُسِرْتُ مَرَّةً؛ فَكُنْتُ فِيهِمْ سَنَةً أُغَنِّيهِمْ، فَمَا أَطْلَقُونِي، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ السَّنَةِ؛ وَقَفَ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ فِي شَهْرٍ مِنْ أَشْهُرِ الْحُرُمِ، ⦗٢٢٩⦘ فَحَادَثَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ اسْتَوْهَبَنِي مِنْهُمْ وَهُمْ لا يَعْرِفُونَهُ، فَوَهَبُونِي لَهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّ سَاعَةً مِنْ مَالِكٍ أَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ مِنِّي