بينهم أول العهد في المدينة"١.
ويرشدك إلى هذا المعنى: أن صدر سورة الممتحنة، الذي نزل في حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وفيه نهى الله تعالى عن موالاة أعدائه, إنما كان نهيا عن مناصرة الكفار بإلقاء شيء من أسرار النبي ﷺ وإفشائه، بحكم ما كان بين حاطب وبين القوم، فأراد أن يتخذ عندهم يدا.
فقد كان حاطب بن أبي بلتعة ﵁ رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان ﵁ فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة، لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي ﷺ بالتجهيز لغزوهم، وقال: "اللهم عَمِّ عليهم خبرنا" فعمد حاطب، فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم؛ ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله، استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة من أخذ الكتاب منها منها, وقال رسول الله ﷺ: "يا حاطب, ما هذا "؟ قال: لا تعجل عليَّ! إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت -إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ: "إنه صَدَقكم" , فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال رسول الله ﷺ: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر, فقال: اعملوا ما شئتم, فقد غفرت لكم"، فأنزل الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١.