رُوي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودَعْنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل ﵇ بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعماهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط ﵇: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ سِر بهم بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ: بطائفة منه، وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله.
والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسنداً إلى أحد.
إِلَّا امْرَأَتَكَ، اسمها: واهلة. أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر.
رُوي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوت العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال:
إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ من العذاب، إِنَّ مَوْعِدَهُمُ وقت الصُّبْحُ في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقتَ الصبح، وقال: هلا عُذبوا الأن؟ فقالوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا، أو أمرنا به، جَعَلْنا مدائنهم عالِيَها سافِلَها، رُوي أن جبريل ﵇ أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم.
وَأَمْطَرْنا عَلَيْها على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. رُوي أنه من كان منهم خارجَ المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لمّا قلبت. فأرسلنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حِجارَةً مِنْ طِينٍ «١» ، وأصلها: سنكِين «٢» ، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي: جهنم، ثم أبدلت نونه لاماً، مَنْضُودٍ: مضموم بعضه فوق بعض، معداً لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضاً في الإرسال، كقطر الأمطار.
مُسَوَّمَةً أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: عِنْدَ رَبِّكَ، أي: في خزائن علمه وقدرته، وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، بل هي قريبة من كل ظالم.
قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليست مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: