وعن علي ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول اللَّه- ﷺ حديثًا نفعني اللَّه بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته؛ وإن أبا بكر ﵁ حدثني، وصدق أبو بكر، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين فيستغفر اللَّه ﷿، إلا غفر له» (١). ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلاَّ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». عن أنس ﵁ قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ بكى.
وروى الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: يا رب، وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه، وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا عن ذنوبهم ورجعوا إلى اللَّه ﷿ عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب تَاب اللَّه عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وكقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ونظائر هذا كثيرة جدًّا. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: جزاؤهم على هذه الصفات، ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي: من أنواع المشروبات، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة.
(قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: (يخبر تعالى عن كرمه وجوده، أن كل من تاب إليه تَاب عليه من أي ذنب كان،