قلتُ: وما زال الشيخُ تقيُّ الدين ــ ﵀ ــ في هذه المدَّة معظَّمًا مكرَّمًا، يُكرمه نقيبُ القلعة ونائبها إكرامًا كثيرًا، ويستعرضان (¬١) حوائجه ويُبالغان في قضائها.
وكان ما صنَّفه في هذه المدة قد خرج بعضُه من عنده، وكتبه بعض أصحابه، وظهر واشتهر (¬٢)، فلما كان قبل وفاته بأشهُر وَرَد مرسومٌ (¬٣) بإخراج ما عنده كلِّه، ولم يبق عنده كتابٌ ولا ورقة، ولا دَوَاةٌ ولا قلم. وكان بعد ذلك إذا كتب ورقةً إلى بعض أصحابه، كتبها (¬٤) بفحم. وقد رأيتُ أوراقًا عِدَّة بعثها إلى أصحابه، وبعضُها مكتوبٌ بفحم. منها ورقةٌ يقول فيها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (¬٥). نحن ولله الحمد والشكر في نعم متزايدة متوفِّرة، وجميعُ ما يفعله الله فيه نصر الإسلام، وهو من نعم الله العظام. و ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. فإنَّ الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله، الذي بعث به رُسُلَه، وأنزل به (¬٦) كُتُبَه.