إن الأعرابي قتله قلوصه، حين صرعه. فقال ﷺ: «نعم وأفواهكم ملأى من دمه» . كذا رواه ابن المبارك مرسلا، وهو في الإحياء في الآفة العاشرة من آفات اللسان.
وفي سنن أبي داوود عن اسحاق بن عبد الله بن الحارث مرسلا، أن النبي ﷺ «اشترى ببضعة وعشرين قلوصا حلة فأهداها إلى ذي يزن» «١» .
وفي كامل ابن عدي، في ترجمة عمارة بن زادان الصيدلاني، عن ثابت عن أنس بن مالك أن ذا يزن أهدى النبي ﷺ حلة، قومت بعشرين بعيرا، فلبسها ﷺ ثم كساها عمر رضي الله تعالى عنه، ثم قال: «إياك أن تخدع عنها» . وروى الحاكم عن أبي الزبير عن جابر، قال: «استأجرت خديجة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ سفرتين إلى جرش، كل سفرة بقلوص» . ثم قال:
صحيح الإسناد.
والمعروف من ذلك ما في طبقات ابن سعد. قال: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة، قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علينا الزمان، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشأم، وخديجة بنت خوليد تبعث رجالا من قومك في عيرها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها، لأسرعت إليك. وبلغ ذلك خديجة، فأرسلت إليه ﷺ وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك. وفي رواية أن أبا طالب أتاها، فقال لها: هل لك أن تستأجرى محمدا، فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات؟ فقالت خديجة ﵂: لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألت لحبيب قريب! فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك.
فخرج ﷺ مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدموا بصرى من الشأم، فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة إلا نبي، ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي، لبعد العهد بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قبل ذلك. والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل إلا أن تصح رواية من قال في هذا الحديث: لم ينزل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. فتكون الشجرة على هذا مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وذكر أبو عمر بن عبد البر أن نسطورا رآه، وقد أظلته غمامة، فقال: هذا نبي، وهو آخر الأنبياء. ثم باع رسول الله ﷺ سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح، فقال: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ: «ما حلفت بهما قط وإني لأمر بهما فأعرض عنهما» . فقال الرجل:
القول قولك. وكان ميسرة، إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلان رسول الله ﷺ من الشمس! وكان الله تعالى قد ألقى عليه المحبة من ميسرة ﵁، فكان كأنه عبد له، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران تقدم رسول الله ﷺ، وأخبر خديجة رضي الله تعالى عنها بالربح، ثم قدم ميسرة ﵁ فأخبرها