فإن قال قائل: فقد فعل هذا خلق من السلف كيحيى بن معين وابن المديني، والبخاري، ومسلم؟
فالجواب: أن أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور الدين والفقه فيه، وبين ما طلبوا من الحديث، وأعانهم على ذلك قصر الإسناد وقلة الحديث، فاتسع زمانهم للأمرين.
فأما في هذا الزمان فإن طرق الحديث طالت، والتصانيف فيه اتسعت، وما في هذا الكتاب في هذا الكتاب، وإنما الطرق تختلف، فقلَّ أن يُمكّن أحد أن يجمع بين الأمرين، فترى المُحَدِّث يكتب ويسمع خمسين سنة، ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه، وبهؤلاء تمكَّن الطاعنون على المحدِّثين فقالوا: زوامل أسفار (¬١)، لا يدرون ما معهم!
فإن أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ، وربما فهم من الحديث ما يفهمه العامي الجاهل وعمل بذلك وليس بالمراد من الحديث، كما روينا أن بعض المحدثين روى عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره (¬٢)، فقال جماعة ممن حضر: قد كنا إذا فضل لنا ماء في بساتيننا سرحناه إلى