وقد روي مثلُ هذا عن جماعة كثيرة، وهذا الفعل لا ألومُ صاحبه إذا كان يرجع إلى كفاية قد ادخرها لنفسه، أو كانت له صناعة يستغني بها عن الناس، أو كان المال من شُبهةٍ فتصدَّق به (¬١). وأما إذا أخرج المال الحلال كله ثم احتاج إلى الناس أو افتقر عياله، فهو إما أن يتعرض بمنن الإخوان أو بصدقاتهم، أو يأخذ من أرباب الظلم والشبهات، فهذا الفعل هو المذموم المنهي عنه!
ولست أتعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم، وإنما أتعجب من أقوام لهم علم وعقل كيف حَثُّوا على هذا وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل!
فذكر الحارث المحاسبي في هذا كلامًا طويلًا (¬٢)، وشيده أبو حامد الطوسي ونصره (¬٣)، والحارثُ أعذر عندي من أبي حامد؛ لأن أبا حامد كان أفقه، غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نُصرة ما دخل فيه.
فمن كلام المحاسبي في هذا أنه قال (¬٤): أيها المفتون، متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه، فقد أزريت بمحمد ﷺ والمرسلين، وزعمت أن رسول الله لم ينصح الأمة إذ نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم، وزعمت أن الله تعالى لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم، وما ينفعك الاحتجاج بمال الصحابة، ودَّ ابن عوفٍ في القيامة أن لم يؤت من الدنيا إلا قوتًا.