ووارَيتُ جَسَدِي فِيها إلى صَدرِي، فسمعتُ صوتًا في نصفِ الليل عاليًا: يا أهلَ المرحلةِ إنَّ للهِ وليًا حبسَ نفسَهُ في هذا الرَّملِ فالحقوهُ، فجاءَ جماعةٌ فأخرجُونِي وحملُونِي إلى القَريةِ (¬١).
قال المصنِّفُ ﵀ قلت: لقد تنطَّعَ هذا الرَّجلُ على طبعِهِ، فأرادَ منهُ ما لم يوضَع عليهِ؛ لأنَّ فِي طبعِ الآدمِيِّ الهشَاشةَ إلى ما يُحبُّ، ولا لَومَ على العَطشَانِ إذا هشَّ إلى الماءِ، ولا على الجائعِ إذا هشَّ إلى الطَّعام، وكذلك كل مَن هشَّ إلى محبوبٍ له.
وقد كان النبيُّ ﷺ إذا قدِم مِن سَفَرٍ فلاحَت له المدينةُ، أسرَعَ السَّيرَ حُبًا للوطَن (¬٢)، ولمَّا خرَجَ مِن مَكَّة تلفَّتَ شَوقًا إلَيها (¬٣)، وكان بلالٌ يقول: لعنَ اللهُ عتبةَ عتبةَ وشيبةَ! إذْ أخرجُونا مِن مكَّة، ويقول:
ألا لَيتَ شِعرِي هل أبيتنَّ ليلةً … بوادٍ وحَولِي إذخرٌ وجَلِيلُ (¬٤)
فنعوذُ باللهِ من الإعراضِ عن العمَلِ بمقتضَى العِلمِ والعقل، ثمَّ حَبْسُهُ لنفسِهِ عن صلاةِ الجماعةِ قَبِيحُ، وأيُّ شَيء في هذا مِن التَّقرُّبِ إلى الله سبحانهُ، إنما هُو محضُ جَهلٍ!