ولعلَّ من أوضحِ الأمثلة على انشغال ابن القَيِّم ﵀ بالتحصيلِ على شيوخ بلده، ما مضى من مَلازَمَتِهِ لشيخهِ ابن تَيْمِيَّة ستة عشر عاماً (٧١٢-٧٢٨هـ) ، وإيثاره صحبته إلى آخر حياته، فقد وجد في هذا الإمام العلاَّمة ما يشبعُ نَهْمَتَهُ، ويروي غُلَّتَه، وبخاصة إذا علمنا أن فترة ملازَمَتِهِ له تعدُّ أزهى فترات الطلب والتحصيل في حياة طالب العلم١.
تلك هي أبرز المسوِّغات التي يمكن اعتبارها مانعاً من كثرة خروج ابن القَيِّم وارتحاله عن بلده.
فالذي تَحَصَّل عندنا: أن ابن القَيِّم ﵀ وإن لم تُسَجِّل لنا مصادر ترجمته شيئاً من رحلاته العلمية، إلا أن الْمُتَقَرِّرَ أنه قد سافر ورحل وتَغَرَّبَ عن وطنه وأهله، كما يدلُّ على ذلك تصريحه بتأليف بعض كتبه حال السفر والغربة عن الأهل والأصحاب٢، وأنه ﵀ في خلال تلك الأسفار لم يكن ليقعد لحظة عن الاشتغال بالعلم سماعاً ومذاكرةً، وتأليفاً وتصنيفاً، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وجزاه عمَّا قَدَّم للإسلام خيرَ الجزاء.