المبحث الثاني: فِي بَيَانِ مَنْهَجِهِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الحديث
لا شكَّ أَنَّ الحكم على الحديث، وبيان صحته من ضَعْفِه، وصدقه من كذبه، ليس مقصوداً لذاته، وإنما وراء ذلك غاية عظيمة، ألا وهي: أن يعبد الإنسان ربه على بصيرة وهدى، مُتَّبِعاً في ذلك ما صح عن النبي ﷺ، معرضاً عما سواه.
إذ لولا تسخيرُ الله لهؤلاء الأئمة الجهابذة النُّقَّاد - الذين مَيَّزُوا الصحيحَ من المعلول، والصدق من الكذب - لقال من شَاءَ فِي دِين الله مَا شاء، ولَعُبِدَاللهُ - سبحانه - بالأهواءِ والبدعِ، التي ما أنزل بها من سلطان، ولا جاء بها رسول الله ﷺ.
ولكن ينبغي أن يُرْجَعَ في معرفة ذلك إلى أئمة هذا الشأن وأربابه العارفين به، المشهود لهم بالتَّقَدُّمِ ورسوخِ القدم في الكشف عن خباياه، ومعرفة خفاياه.
وقد نَبَّهَ ابن القَيِّم ﵀ إلى هذا المعنى، وأشار إليه، فقال - عند كلامه على حديث: "مَنْ عَشِقَ فَكَتَم ... " -:
"والتحاكم في ذلك إلى أهلِ الحديث، لا إلى العارين الغرباء منه"١.