أنطقهم بالحكمة، ونفع بهم الأمّة؟ وممّا يؤكّد ما قلت ما ألهم الله تعالى أمّ موسى، أن تلقي موسى في التّابوت، فألقته، وألهم الخضر في السّفينة والغلام والحائط، وقوله لموسى:
﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وكما قال أبو بكر لعائشة ﵂: إنّ ابنة خارجة حاملة ببنت.
وألهم عمر ﵁ فنادى: يا سارية الجبل.
أنبأنا ابن ناصر، أنبأنا أبو الفضل السهلكيّ قال: سمعت أبا عبد الله الشّيرازيّ يقول:
سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت إبراهيم سبتيّة يقول: حضرت مجلس أبي يزيد والنّاس يقولون: فلان لقي فلانا، وأخذ من علمه، وكتب منه الكثير، وفلان لقي فلانا.
فقال أبو يزيد: مساكين، أخذوا علمهم ميّتا عن ميّت، وأخذنا علمنا عن الحيّ الّذي لا يموت.
قال المصنف ﵀: هذا الفقه في الحكاية الأولى من قلّة العلم؛ إذ لو كان عالما لعلم أنّ الإلهام للشّيء لا ينافي العلم، ولا يتّسع به عنه، ولا ينكر أنّ الله ﷿ يلهم الإنسان الشّيء، كما قال النّبيّ ﷺ: «إنّ في الأمم محدّثين، وإن يكن أمّتي فعمر» (¬١).
والمراد بالتّحديث إلهام الخير، إلّا أنّ الملهم لو ألهم ما يخالف العلم لم يجز له أن يعمل عليه.
وأمّا الخضر فقد قيل: إنّه نبيّ.
ولا ينكر للأنبياء الاطّلاع بالوحي على العواقب، وليس الإلهام من العلم في شيء، إنّما هو ثمرة العلم والتّقوى، فيوفّق صاحبهما للخير، ويلهم الرّشد.