وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ قَرَّرَهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ مِنَ التَّأْكِيدِ فِي الْمُؤَكَّدَاتِ، وَالتَّخْفِيفِ فِي الْمُخَفَّفَاتِ؛ إِذْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِيهِ خَادِمٌ طَبْعِيٌّ بَاعِثٌ عَلَى مُقْتَضَى الطَّلَبِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ مُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ يُمَانِعُهُ وَيُنَازِعُهُ؛ كَالْعِبَادَاتِ لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ تَكْلِيفٍ.
وَكَمَا يَكُونُ ذَلِكَ١ فِي الطَّلَبِ الْأَمْرِيِّ كَذَلِكَ يَكُونُ فِي النَّهْيِ؛ فَإِنَّ الْمَنْهِيَّاتِ عَلَى الضَّرْبَيْنِ؛ فَالْأَوَّلُ كَتَحْرِيمِ الْخَبَائِثِ، وَكَشْفِ الْعَوْرَاتِ، وَتَنَاوُلِ السُّمُومِ، وَاقْتِحَامِ الْمَهَالِكِ وَأَشْبَاهِهَا، وَيَلْحَقُ بِهَا اقْتِحَامُ الْمُحَرَّمَاتِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ عَاجِلَةٍ، وَلَا بَاعِثٍ طَبْعِيٍّ؛ كَالْمَلِكِ الْكَذَّابِ، وَالشَّيْخِ الزَّانِي، وَالْعَائِلِ الْمُسْتَكْبِرِ٢، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا قَرِيبٌ مِمَّا تُخَالِفُهُ الطِّبَاعُ وَمَحَاسِنُ الْعَادَاتِ؛ فَلَا تَدْعُو إِلَيْهِ شَهْوَةٌ، وَلَا يَمِيلُ إِلَيْهِ عَقْلٌ سَلِيمٌ؛ فَهَذَا الضَّرْبُ لَمْ يُؤَكَّدْ بحد٣ معلوم في