فِي الْأَسْبَابِ، وَمَرَّ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَطْلَبَيْنِ وَمَسْأَلَتُنَا مِنَ الثَّانِي لَا مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُجْتَهِدِ النَّاظِرِ فِي حُكْمِ غَيْرِهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْحُظُوظِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ نَائِبٌ عَنِ الشَّارِعِ فِي الْحُكْمِ عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّارِعَ قَاصِدٌ لِلْمُسَبَّبَاتِ فِي الْأَسْبَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُجْتَهِدِ بُدٌّ مِنَ اعْتِبَارِ الْمُسَبَّبِ، وَهُوَ مآل السبب.
والثانى: أن مآلات الأعمال إنما١ أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا أَوْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ، فَإِنِ اعْتُبِرَتْ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لِلْأَعْمَالِ مَآلَاتٌ مُضَادَّةٌ لِمَقْصُودِ٢ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّكَالِيفَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلَا مَصْلَحَةَ تُتَوَقَّعُ٣ مُطْلَقًا مَعَ إِمْكَانِ وُقُوعِ مَفْسَدَةٍ تُوَازِيهَا أَوْ تَزِيدُ.
وَأَيْضًا٤، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أن لا نَتَطَلَّبَ مَصْلَحَةً بِفِعْلٍ مَشْرُوعٍ، وَلَا نَتَوَقَّعَ مَفْسَدَةً بِفِعْلٍ مَمْنُوعٍ، وَهُوَ خِلَافُ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ كَمَا سَبَقَ.
وَالثَّالِثُ٥: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ أَنَّ الْمَآلَاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] .