وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَمَا تَضَمَّنَ التَّكْلِيفُ الثَّابِتُ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْمُعْتَادَةِ أَيْضًا لَيْسَ بِمَقْصُودِ الطَّلَبِ لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ الْمَشَقَّةِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَائِدَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ١ فِي الْمَسَالَةِ قَبْلَ هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقَدَّمَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إِلَى الْمَشَقَّةِ فِي التَّكْلِيفِ، لِأَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ نَفْسَ تَسْمِيَتِهِ تَكْلِيفًا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، إِذْ حَقِيقَتُهُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] مَعْنَاهُ: لَا يَطْلُبُهُ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَطْلُبُهُ بِمَا تَتَّسِعُ لَهُ قُدْرَتُهُ عَادَةً، فَقَدْ ثَبَتَ التَّكْلِيفُ بِمَا هُوَ مَشَقَّةٌ، فَقَصْدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَسْتَلْزِمُ بِلَا بُدٍّ طَلَبَ الْمَشَقَّةِ، وَالطَّلَبُ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَشَقَّةٌ، لِتَسْمِيَةِ الشَّرْعِ لَهُ تَكْلِيفًا٢، فَهِيَ إذن مقصودة له، وعلى هذا النحو