فلمّا كان بعد الخمسين وأربع مائة، وقدم أمير الجيوش بدر الجمالي، وقام بتدبير أمر دولة الخليفة المستنصر باللّه (¬a)، أنشأ بحري مصلّى العيد، خارج باب النّصر، تربة عظيمة وفيها قبره هو وولده الأفضل بن أمير الجيوش وأبو عليّ كتيفات بن الأفضل وغيره، وهي باقية إلى يومنا هذا، ثم تتابع النّاس في إنشاء التّرب هناك حتى كثرت. ولم تزل هذه الشّقّة مواضع للتّرب ومقابر أهل الحسينيّة والقاهرة إلى بعد السبع مائة (¬١).
ولقد حدّثت عن المشيخة ممّن أدرك، بأنّ ما بين مصلّى الأموات التي خارج باب النّصر وبين دار كهرداش التي تعرف اليوم بدار الحاجب، مكانا يعرف بالمراغة معدّا لتمريغ الدّواب به، وأنّ ما في صفّ المصلّى من بحريها التّرب فقط.
ولم تعمر هذه الشّقّة إلاّ في الدّولة التّركيّة لا سيّما لمّا تغلّب التّتر على ممالك المشرق (¬b) والعراق، وجفل النّاس إلى مصر، فنزلوا بهذه الشّقّة وبالشّقّة الأخرى، وعمّروا بهما المساكن، ونزل بها أيضا أمراء الدّولة. فصارت من أعظم عمائر مصر والقاهرة، واتّخذ الأمراء بها - من بحريها فيما بين الرّيدانيّة إلى الخندق - مناخات الجمال وإسطبلات الخيل، ومن ورائها الأسواق والمساكن العظيمة في الكثرة، وصار أهلها يوصفون بالحسن خصوصا لمّا قدمت الأويراتية (¬٢).
ذكر قدوم الأويراتيّة (¬٣) -
وكان من خبر هذه الطّائفة أنّ بيدرا بن طرغاي بن هولاكو لمّا قتل في ذي الحجّة سنة أربع وتسعين وستّ مائة (¬c)، وقام في الملك من بعده على المغل الملك غازان