فأوّلا باختلاف الآراء، فثقلت على الأجناد، وكبر أمرها عندهم، واشتغلوا عنها، فضايقها الفرنج حتى أخذوها في سنة ثمان وأربعين وخمس مائة. ولقد سمعت رجلا قبل ذلك بسنين يحدّث بهذه الأمور، ويقول: «في سنة ثمان تؤخذ عسقلان بالأمان» (¬١).
ومن هذا الباب واقعة الكنائس التي للنّصارى؛ وذلك أنّه لمّا كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبع مائة، والناس في صلاة الجمعة، كأنّما نودي في إقليم مصر كلّه من قوص إلى الإسكندرية بهدم الكنائس، فهدم في تلك السّاعة بهذه المسافة الكبيرة عدد كبير من الكنائس، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر كنائس النّصارى (¬٢).
ومن هذا الباب واقعة ألدمر، وذلك أنّه خرج الأمير ألدمر أمير جندار يريد الحجّ من القاهرة في سنة ثلاثين وسبع مائة، وكانت فتنة بمكة قتل فيها ألدمر يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة، فأشيع في هذا اليوم بعينه في القاهرة ومصر وقلعة الجبل، بأنّ وقعة كانت بمكّة قتل فيها ألدمر، فطار هذا الخبر في ريف مصر واشتهر، فلم يكترث الملك النّاصر محمد بن قلاوون بهذا الخبر. فلمّا قدم المبشّرون على العادة، أخبروا بالواقعة وقتل الأمير سيف الدين ألدمر في ذلك اليوم الذي كانت الإشاعة فيه بالقاهرة (¬٣).
قال جامع «السّيرة النّاصريّة» (¬٤): كنت مع الأمير علم الدين الخازن في الغربية وقد خرج إليها كاشفا فلمّا صلّيت أنا وهو صلاة الجمعة وعدنا إلى البيت، قدم بعض غلمانه من القاهرة فأخبرنا أنّه أشيع بأنّ فتنة كانت بمكّة قتل فيها جماعة من الأجناد، وقتل فيها الأمير ألدمر أمير جندار.
فقال له الأمير علم الدين: هل حضر أحد من الحجاز بهذا الخبر؟ قال: لا. فقال: ويحك، الناس ما تحضر من منى بمكّة إلاّ ثالث يوم بعد عيد النّحر، فكيف سمعتم هذا الخبر الذي لا يسمعه عاقل؟ فقال: قد استفيض ذلك. وكان الأمر كما أشيع.