فحضر الأفضل في نقل الحلقة من جامع الفيلة إلى المسجد الجيوشي، وقد أحضرت الصّواري الطّوال العظام والسّرياقات والمنحاتات من الإسكندرية وغيرها، وجمعت الأسطولية ورجال السّودان وبعض أصحاب الرّكاب والجند حتى أدلّوه، وحملوه على العجل إلى مسجد الرّصد الجيوشي.
وثاني يوم حضروا بأجمعهم حتى رفعوه إلى السّطح، وكمّلوه، وأقاموا الحلقة، وجعلوا تحت أكتافها عمودين من رخام سبكوهما بالرّصاص من أسفلهما وأعلاهما حتى لا يرتخي ثقل النّحاس، وجعل في الوسط عمود رخام، وبأعلاه قطب العضادة مسبوك بالنّحاس الكثير لتدور عليه العضادة (¬١). وعملت من نحاس فما تمارست ولا دارت، فعملوها من خشب ساج وقطبها وأطرافها من نحاس صفائح ليخفّ الدّوران، ثم رصدوا بها الشّمس بعد كلفة.
وكانت الحلقة ترخي الدّرجة والدّقائق كلّ وقت للثّقل، فعمل عمود من نحاس فوق عمود الرّخام ليمسك رخوها. وغلبوا بعد ذلك، فكانت تختلف لشدّة ما كانوا يحرّرونها بالشّواقيل وعضادة الخشب.
وتردّد إليها الأفضل مع كبر سنّه وهو يرتعش (¬٢)، والقائد يحمله إلى فوق، ويقعد زمانا من التّعب لا يتكلّم ويده ترتعش، فرصدوا قدّامه. وفي خلال ذلك قتل الأفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة وخمس مائة.
وقيل للأفضل عن ابن قرقة إنّه أسرف في كبر الحلقة وعظم مقدارها، فقال له الأفضل: لو اختصرت منها كان أهون؛ فقال: وحقّ نعمتك، لو أمكنني أن أعمل حلقة تكون رجلها الواحدة على الأهرام والأخرى على التّنّور فعلت، فكلّما كبرت الآلة صحّ التّحرير. وأين هذا في العالم العلوي؟
ثم أكثروا عليه فعمل حلقة دونها في الموضع المهندم بالطّوب الأحمر، تحت المسجد الجيوشي، كان قطرها أقلّ من سبعة أذرع ودورها نحو أحد وعشرين ذراعا.
فلمّا كملت قتل الأفضل، ولم ينفق من مال السّلطان في الأجرة والمؤن وما لابد منه سوى نحو مائة وستين دينارا.