والحكم بحصوله عن سببه، فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه، فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق؛ بل كان شهوده غيبة ونظره عمى، فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره" (¬١).
بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع، وهو حاصل بالقدر، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام وعلم في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون، فاستشار الصحابة ﵃ هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة؟ .
فاختلف الناس عليه، ثم استقر رأيهم على أن يرجع إلى المدينة، ولما عزم على ذلك جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، " كيف ترجع إلى المدينة؟ أفرارا من قدر الله"؟ . فقال عمر ﵁: " نفر من قدر الله إلى قدر الله "، ثم بعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيباً في بعض حاجته، فحدثهم أن النبي ﷺ قال عن الطاعون: " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" (¬٢).
ولما سُئل الرسول ﷺ، أريت رقى نسترقيها، وأدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: "هي من قدر الله" (¬٣).