أخذ باقيه فقال: "وأخذت بقية القرآن عن أصحابه"١ ولإدراكه ﵁ مكانة التلقي بالمشافهة كان إذا سئل عن سورة لم يكن تلقاها عن الرسول ﷺ صرح لهم بذلك ودلهم على من تلقاها بالمشافهة عنه ﷺ، فعن معديكرب قال: "أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ "طسم" المائتين٢. فقال: ما هي معي ولكن علكيم من أخذها من رسول الله ﷺ خباب بن الأرت. قال: فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا"٣.
ولهذا قرر العلماء أنه لا يصح التعويل على المصاحف وحدها، بل لا بد من التلقي عن حافظ متقن وكانوا يقولون: "من أعظم البلية تشييخ الصحيفة"٤ ويقولون: "لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي"٥ وهو الذي يعلم الناس وينظر إلى رسم المصحف. وكان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: "من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام"٦.
ولحمل الناس على تلقي القرآن مشافهة مزيتان:
المزية الأولى:
التوثق من النطق الصحيح لألفاظ القرآن الكريم، وطريقة الأداء، وحسن الترتيل، وإتقان التجويد، وإخراج الحروف من مخارجها، فإن ذلك كله لا يمكن تحقيقه عن طريق الكتابة وحدها، إذ لا يمكن معرفة الروم، والإشمام، والتسهيل، والتحقيق، والتفخيم والقلقلة، والإدغام، والإخفاء إلا عن طريق السماع الصوتي من معلم متابع مصغ.