وأمَّا المجاهدةُ بالمال فبِقَطْع العلائق (¬١) بَيْنَهُ وبَيْنَه، حتى يَبْذُلَه في سبيل الله، ويُفَرِّقَه آناء الليل والنهار، ويقول به في الصدقة: هكذا وهكذا (¬٢)، ويُهْلِكَه في الحق، ويتحَقَّقُ ذلك بتقديم الأَشَقِّ على الأَخَفِّ متى تَعَارَضَا، ولا يَفْتُرْ عن مجاهدة النفس لحظةً، وهذا كلُّه لِمَا اجتباك، وما (¬٣) اصطفاك حتى عَلِمَ فِعْلَكَ.
قال بعضُ شيوخ الفقراء: "كما لم يَمْنعْهُ ما عَلِمَ فيك من عَيْبٍ أن يَجْتَبِيَكَ للإسلام، كذلك لا يَمْنَعُه ما عَلِمَ فيك من عَيْبٍ أن يغفر لك بفَضْلِه ورَحْمَتِه" (¬٤).
نكتة (¬٥):
قال الإمام أبو بكر بن العربي (¬٦) ﵁: قالوا: فلمَّا كانت (¬٧) المجاهدةُ مَهُولَةَ السَّمَاعِ في الأَسْمَاعِ؛ قال -مُبيِّنًا سُهُولَةَ المسالك، وهَوْنَ المدارك-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (¬٨) [الحج: ٧٦]، قد قام بها قبلكم، وعَمِلَ بها سواكم؛ لأنه لم يتجاوز ما ذُكِرَ طَوْقَ المأمور، ولا خَرَجَ عن سَبِيلِ التَّيْسِيرِ.