وكان تاجُ القُرَّاءَ الكَفِيفُ بمدينة السَّلام أَعْظَمَ خَلْقِ الله حُنْجُرَةً، وأحلاهم تلحينًا، سمعته بدار بَهَاءِ المُلْكِ (¬١) إزاء المدرسة النِّظامية يقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، فأَجِدُ أَعْضَائِي تَفَصَّلُ، حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، فظننتُ أنَّ سَقْفَ الإِيوَانِ يُنْقَضُ علينا.
وعلى الجُمْلَةِ: فإن في القوم طَبْعًا صَوْتًا، وفي هوائهم صفاءً، وفي قلوبهم رحمة (¬٢)، وفي أنفسهم رقة، يتميَّزون بها على (¬٣) أهل الجفاء والجهالة والقسوة.
وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ رقيق القلب، خاشع الجوارح، حَسَنَ الصوت، فإذا قرأ تَقَصَّفَ (¬٤) عليه نساءُ المشركين وصبيانُهم، حتى قالوا لحَلِيفِه ابنِ الدَّغِنَةَ: "إمَّا أن تَكُفَّه وإمَّا أن (¬٥) تُخفِرَ عهدك، فقال له: يا أبا بكر، اعبد ربك في بيتك ولا تتظاهر لهم، قال: بل أصرف عليك جِوَارَك وأرضى بجوار الله ورسوله" (¬٦)، فصرفه عليه، وأَذِنَ الله لرسوله حينئذ في