والمأوى .. وهم -والله- ما قدموا من أجل لقمة أو رغيف .. ولم يتسللوا من أجل صُفة متواضعة إذا ضربها المطر ساعة أمطرت عليهم ساعات .. وابتلت ثيابهم وجنوبهم وظهورهم والأرض التي يتوسدونها .. إن هؤلاء العظماء .. فروا من العيش الرغيد وتركوا الأهل والأموال والعشيرة وربما الخدم .. تركوا الدنيا بكل زخارفها لأنها كانت تركن إلى صنم .. لأنها كانت تلوذ بغير الله .. واتجهوا بكليتهم .. بعواطفهم ومهجهم إلى الله ﷾ .. وتسللوا والناس نيام إلى صفة لا تقي من البرد ولا من الجوع .. لكنها صفة تستدفئ بمسجد رسول الله ﷺ وبقرب رسول الله ﷺ .. يعمرها القرآن .. ويزينها الإيمان .. تمر بها عائشة ﵂ ذات ليلة فتقف عندها مأسورةً مأخوذةً .. فتبطئ الخطا وتبطئ على زوجها رسول الله ﷺ .. ثم تعود .. وعندما تصل يسألها رسول الله ﷺ:
(أين كنت .. ؟ قلت: يا رسول الله سمعت قراءة رجل في المسجد ما سمعت مثله قط .. فقام رسول الله ﷺ .. وتبعته .. فقال لي: ما تدرين من هذا؟ .. قلت: لا .. قال: هذا سالم مولى أبي حذيفة .. ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتى مثل هذا) (١).
عبد فقير يفخر به ﷺ .. ويشكر الله سبحانه أن وهب هذه الأمة مثله .. إن أمة تفخر بالموالي والعبيد كما تفخر بالأشراف لأمة عظيمة .. وإن دينًا يتساوى فيه البشر ليستحق الخلافة في الأرض .. كل الأرض ..