وَهُوَ أَبُو ذَلِكَ الْخَلْقِ الْعَجِيبِ، فَدَعَا عُمَرُ بِأَصْحَابِ رسُولِ الله ﷺ فَشَاوَرَهُم فَلَمْ يُجِيبُوا فِيهِ بِشَئٍ، وَدَعَا عَلىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ فَقالَ عَلِىٌّ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ يَكُونُ لَهُ نَبأٌ فَاحْبِسْهَا وَاحْبسْ وَلَدَهَا وَاقْبِضْ مَالَهُم وَأَقِمْ لَهُم مَنْ يَخْدمُهُمْ، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِم بِالمْعرُوفِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، فَمَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَشَبَّ الْخَلْقُ وَطَلَبَ الْمِيرَاثَ فَحَكَمَ لَهُ عَلىٌّ بِأَنْ يُقَامَ لَهُ خَادِمٌ خَصِىٌّ يَخْدمُ فَرْجَيْه ويَتَوَلَّى مِنْهُ مَا تَتَوَلَّى الأُمَّهاتُ مَالَا يحِلُّ لأَحَدٍ سِوَى الْخَادِمِ، ثمَّ إِنَّ أَحَدَ الْبَدَنَيْنِ طَلَبَ النِّكَاحَ فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى عَلَىٍّ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حَسَنٍ مَا تَجِدُ فِى أَمْرِ هَذَيْن؟ إِنْ اشْتَهَى أَحَدُهُمَا شَهْوَةً لخَالَفَهُ الآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَ الآخَرُ حَاجَةً طَلَبَ الَّذِى يَلِيه ضِدَّهَا حَتَّى إِنَّهُ فِى سَاعَتنَا هَذِهِ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْجِمَاعَ فَقَالَ: الله أَكْبَرُ إِنَّ الله أحْلَمُ وأكْرَمُ مِنْ أَنْ يرى عَبْدٌ أَخَاهُ وهُوَ يُجَامِعُ أَهْلَهُ، ولَكِنْ هلِّلُوهُ ثَلَاثًا فَإِنَّ الله سَيَقْضِى قَضَاءَهُ فِيهِ، مَا طَلَبَ هَذَا إِلَّا عِنْدَ الْمَوْتِ، فَعَاشَ بَعْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ، فَجَمَعَ عُمَرُ أَصْحَابَ رسُولِ الله ﷺ فَشَاوَرَهُم فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُم: اقْطَعْهُ حَتَّى تبين (١) الحى مِنَ الْمَيِّتِ وَتُكَفَّنهُ وَتَدْفِنهُ فقال عمر: إن هذا الذى أشرتم أعجب أن تقتل حيا بِحَالِ مَيَّتٍ، وَضَجَّ الْجَسَدُ الْحِىُّ، فَقَالَ: الله حَسْبُكُم، تَقْتُلُونِى وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَبَعَثَ إِلَى عَلِىٍّ فَقَالَ لَهُ يَا أبَا الْحَسَنِ: احْكُمْ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْخَلقَيْنِ، فَقَالَ عَلِىٌّ: ألا يوفيه أوضح من ذلك وأسهل وأيسر الْحُكْم أَنْ يُغَسِّلُوهُ ويُحَنِّطُوهُ ويُكفَّنُوهُ ولك مَعَ ابْنِ أُمِّهِ تَحْمِلُهُ الْخَادِمُ إِذَا مَشَى فَيُعَاوِنُ عَلَيْهِ أَخَاهُ، فَإذَا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ جَفَّ فَاقْطَعُوهُ جافًا ويكون موضعه حى لا يألم فإِنِّى أعلم أن الله لا يُبْقِى الْحَىَّ بَعْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَتأَذَّى بِرَائحَةِ نَتَنِهِ وَجِيفَتِهِ فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَعَاشَ الآخَرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ومَاتَ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِى الله عَنْهُ - أين ابن أَبِى طَالِبٍ؟ فَمَا رَأَيْتُ كَاشِف كُلِّ شُبْهَةٍ وَمَوْضِعَ كُلِّ حكم".
أبو طالب المذكور، ورجاله ثقات إلا أن سعيد بن جبير لم يدرك عمر (٢).