يُعَارِض النَّهْي المَذْكُور، وَلا يَلْزَم وَصْف أَكْلِ الْخَيْل بِالكَرَاهَةِ الْمُطلَقَة، فَضلًا عَن التَّحْرِيم.
وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطنِيِّ، فِي حَدِيث أَسْمَاء: "كَانَتْ لَنَا فَرَس، عَلَى عَهْد رَسُول الله ﷺ، فَأَرَادَتْ أنْ تَمُوت، فَذَبَحْنَاهَا، فَأَكَلْنَاهَا".
وَأَجَابَ عَن حَدِيث أَسْمَاء بأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن، فَلَعَلَّ تِلْكَ الفَرَس، كَانَتْ كَبِرَت بحَيْثُ صَارَتْ، لا يُنْتَفَع بهِا فِي الْجِهَاد، فَيَكُونُ النَّهْي عَن الْخَيْل، لِمَعْنًى خَارج، لا لِذَاتِهَا، وَهُوَ جَمْع جَيِّد. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أنَّ حَدِيث جَابِر، فِي الْبَاب دَالّ عَلَى التَّحْرِيم؛ لِقَولِهِ: "رَخَّصَ"؛ لأَنَّ الرُّخْصَة اسْتِبَاحَة الْمَحظور مَعَ قِيَام المَانِع، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهَا، بِسَبَب المَخْمَصَة الَّتِي أَصَابَتْهُمْ بِخَيْبَر، فَلا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى الحِلّ الْمُطْلَق.
وَأُجِيبَ بأنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات، جَاءَ بِلَفْظِ الإذْن، وَبَعْضهَا بالأَمْر، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَولِهِ: "رَخَّصَ" أَذِنَ، لا خُصُوص الرُّخصَة بِاصْطِلَاح مَنَ تَأَخَّرَ، عَنْ عَهْد الصَّحَابَة.
وَنُوقِضَ أَيْضًا بِأَنَّ الإذْن فِي أَكْلِ الْخَيْل، لَوْ كَانَ رُخْصَة؛ لأجْلِ المَخْمَصَة، لَكَانَتْ الْحُمُر الأَهْلِيَّة أَوْلَى بذَلِكَ؛ لِكَثرَتِها، وَعِزَّة الْخَيْل حِينَئِذٍ، وَلأَنَّ الْخَيْل يُنْتَفَع بِهَا فِيمَا يُنتَفَع بِالْحَمِيرِ، مِنْ الحَمْل وَغَيْره، وَالْحَمِير لا يُنْتَفَع بِها فِيمَا يُنتَفَع بِالْخَيْلِ، منْ الْقِتَال عَلَيْهَا، وَالوَاقِع أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بإِرَاقَةِ الْقُدُور، الَّتِي طُبِخَتْ فِيهَا الْحُمُر، مَعَ مَا كَانَ بِهمْ منْ الْحَاجَة، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أنَّ الإذْن فِي أَكْلِ الْخَيْل، إِنَّمَا كَانَ للإِبَاحَةِ العَامَّة، لا لِخُصُوصِ الضَّرُورَة.
وأَمَّا مَا نُقِلَ عَن ابْنِ عَبَّاس، وَمَالِك، وَغَيْرهمَا، منْ الاحْتِجَاج للْمَنْع، بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]، فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَا أَكْثَرُ القَائِلِينَ بالتَّحْرِيم، وَقَرَّرُوا ذَلِكَ بِأَوْجُهِ: [أَحَدهَا]: أنَّ اللام لِلتَّعْلِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّها لَمْ تُخْلَق لغَيْرَ ذَلِكَ، لأَنَّ الْعِلَّة المَنْصُوصَة، تُفِيد الْحَصْر، فَإِبَاحَة أَكْلهَا تَقْتَضِي خِلَاف ظَاهِرِ الآيَة. [ثَانِيهَا]: عَطْف الْبِغَال، وَالْحَمِير، فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكهَا مَعَهَا فِي حُكْم التَّحْرِيم، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَفْرَدَ حُكْمهَا عَن حُكْم مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيل. [ثَالِثهَا]: أَنَّ الآية سِيقَتْ مَسَاق الامْتِنَان، فَلَوْ كَانَت يُنْتَفَع بِها فِي الأَكْل، لَكَانَ الامْتِنَان بهِ أَعْظَم؛ لأَنَّهُ يَتَعَلَّق بِهِ بَقَاء الْبنْيَة، بِغَيْرِ وَاسِطَة، وَالْحَكِيم لا يَمْتَنّ بِأَدْنَى النِّعَم، وَيَترُكَ أَعْلاهَا، وَلاسِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ الامْتِنَان بِالأَكْلِ فِي المَذْكُورَات قَبْلهَا. [رَابِعِهَا]: لَوْ أُبِيحَ أَكْلهَا، لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة بِهَا، فِيْمَا وَقَعَ بِهِ الامْتِنَان، مِنْ الرُّكُوب، وَالزِّينَة. هَذَا مُلَخَّص مَا تَمَسَّكُوا بِهِ منْ هَذِهِ الآيَة.
وَالْجَوَاب عَلَى سَبِيل الإجْمَال، أَنَّ آيَة النَّحْل مَكِّيَّة اتِّفَاقًا، وَالإذْن فِي أَكْلِ الْخَيْل،