فقسمته كلّه في قَعْدَة واحدة، فقالت لها الجارية: لو خَبَأْت لنا درهماً نشتري به لحماً؟ فقالت لها: لو ذكّرتني فعلت.
واحتجّوا أيضاً بما في "الصحيحين" عن عائشة ﵂، قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله ﷿"، قالوا: ومعلوم أن العبّاس وأولاده وبني المطّلب لم يدخلوا في لفظ عائشة، ولا مرادها.
قال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصاً أزواج النبي ﷺ تشبيهاً لذلك بالنسب، لأن اتصالهنّ بالنبي ﷺ غير مرتفع، وهنّ محرّمات على غيره في حياته، وبعد مماته، وهنّ زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهنّ بالنبي ﷺ قائم مقام النسب، وقد نصّ ﷺ على الصلاة عليهنّ, ولهذا كان القول الصحيح -وهو منصوص الإمام أحمد ﵀ أن الصدقة تحرم عليهنّ, لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجنَاب الرفيع وآله من كلّ أوساخ بني آدم، ويا لله العَجَب كيف يدخل أزواجه في قوله ﷺ: "اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتاً"، وقوله في الأضحية: "اللَّهمّ هذا عن محمد وآل محمد"، وفي قول عائشة ﵂: "ما شبع آل رسول الله ﷺ من خبز بُرّ"، وفي قول المصلي: "اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد"، ولا يدخلن في قوله: "إن الصدقة لا تحلّ لمحمد، ولا لآل محمد" مع كونها من أوساخ الناس, فأزواج رسول الله ﷺ أولى بالصيانة عنها، والبعد منها.
فإن قيل: لو كانت الصدقة حراما عليهنّ لحرمت على مواليهنّ، كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، وقد ثبت في "الصحيح" أن بريرة تُصُدّق عليها بلحم، فأكلته، ولم يُحرّمه النبى ﷺ، وهى مولاة لعائشة ﵂؟.
قيل: هذا هو شُبهة من أباحها لأزواج النبي ﷺ، وجوابُ هذه الشبهة أن تحريم الصدقة على أزواج النبي ﷺ ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه ﷺ، وإلّا فالصدقة حلال لهنّ قبل اتصالهنّ به، فهنّ فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع على التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلاً، استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي ﷺ تبعاً لم يَقْوَ ذلك على استتباع مواليهنّ، لأنه فرع عن فرع.
قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ … إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٤] فدخلن في أهل البيت، لأن هذا الخطاب كله في