وروح العصر وللمصالح العامة، مراعى فيها العدل وإتقان النظام؛ ليجددوا للأمة مجدها، ويسلكوا بها سبيل الرشاد، ويزيلوا عنها الأوهام ومزال الأقدام، ويحفظوا بيضتها من الاصطدام، فإنه إن بقي قضاؤنا وأحكامنا على ما هي عليه من الفوضى مع رقة الديانة، صار الناس إلى القوانين الوضعية، ونبذوا الشريعة ظهريًّا وساء ظنهم فيها» (١).
تطبيقاته:
النموذج الأول:
«ذكر أحمد بن عبد البر (٢)،
أن قاضياً من قضاة قرطبة (٣) سماه، جميل المذهب، كان أشار به يحيى بن يحيى، فكان طاعة له في قضائه، لا يعدل عن رأيه، إذا اختلف الفقهاء عليه، فاتفق أن وقعت قصة تفرد فيها يحيى وخالف جميعهم، فأرجأ القاضي القضاء فيها؛ حياء من جماعتهم، وردفته قصة أخرى، فشاورهم فيها أيضاً، فلما أتى كتاب يحيى وقد أحضره توقفه على إنفاذ الأولى، صرفه على رسوله، وقال: ما أفك له ختاماً، ولا أشير عليه بشيء، إذ قد توقف عن القضاء لفلان بما أشرت عليه به، وعابه. فلما انصرف إليه رسوله، وعرفه بقوله، قلق منه وركب من فوره إلى يحيى معتذراً وقال له: لم أظن الأمر وقع منك هذا الموقع، وسوف أقضي له غداً يومي إن شاء الله. فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقاً؟ قال: نعم. قال له: فالآن هيجت غيظي! فإني ظننت - إذ خالفني أصحابك - أنك توقفت مستخيراً الله، متخيراً في الأقوال. فأما إذا صرت تتبع الهوى