لا يكاد يخلو مصنف فقهي من استدراكات، ولكني هنا أذكر المظان التي تكون فيها الاستدراكات الفقهية أقرب تناولاً.
وبالتأمل في طبيعة البحث في استدراكات الفقهاء في النماذج السابقة وغيرها، وفيما تيسر لي الاطلاع عليه من الدراسات المُهتمة بـ (النقد الفقهي) (١) وبتاريخ الفقه وفلسفته (٢)، تحصّل لي أن مظان الاستدراكات الفقهية لها عدة اعتبارات، يُمكن من خلالها لمُّ أجناس المظان، لأكوّن منها مباحث هذا الفصل.
تمهيد: نظرة تاريخية في الاستدراك الفقهي.
كان النبي ﷺ يستدرك على أصحابه في الفهم والتطبيق، وهذا من طبيعة البلاغ المبين الذي كُلّف به.
ونشطت الحركة الاستدراكية بعد وفاة النبي ﷺ، حيث انقطع الوحي، وحمل بعض الصحابة من النصوص ما ليس عند بعضهم الآخر، ولبعضهم مزيد اجتهاد وفقه في الاستنباط ما ليس عند بعضهم الآخر، فبلّغوا النصوص، وتبادلوا - مع ذلك - وجوه الاستنباط منها، وعانوا استنباط حكم المسائل عند غياب النص أو إجماله، ويحصل من جرّاء ذلك خلاف واستدراك (٣).