وقال في موضع آخر: «وفي عصر أحمد بن حنبل، وبتأثيرات التيارات النقدية، وحدّة الصراع الفكري، وعنف محنة خلق القرآن، وصلابة أحمد بن حنبل فيها - برز فقه المحدثين، ووجد التربة الصالحة لنموه ونضجه» (١).
ويُمكن تطبيق هذا الأثر أيضًا على ما جاء به الشافعي، الذي والفَ بين اتجاه أهل الأثر في الحجاز، واتجاه أهل الرأي في العراق، حيث استدرك على الفريقين، وأبرزَ اتجاهًا يجمع بين الرأي والأثر، وذلك واضح في (رسالته).
قال أبو زهرة (٢): «وهكذا ترى الشقة بين أهل العراق وأهل الحجاز قد أخذت تضيق، حتى تقاربا. كل ذلك في شباب الشافعي، فلما جاء دوره، كان هو الوسط الذي التقى فيه أهل الرأي وأهل الحديث معًا، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث في قبولهم لكل الأخبار ما لم يقم دليل على كذبها، ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع نطاق الرأي، بل ضبط قواعده، وضيق مسالكه، وعبّدها، وسهلها، وجعلها سائغة» (٣).
- الأثر التقاربي.
قال في (الاتجاهات الفقهية): «كما ينبغي أن نتنبه إلى أن اللقاءات التي كانت موجودة في القرن الأول لم تنقطع في هذا القرن (٤)، بل كانت دائرتها متصلة، وكثيرًا ما أنتجت هذه اللقاءات مناقشات ومناظرات كانت ذات أثر لا يُنكر في تقارب الأفكار،