فيه ذله وهوانه، والحساب العسير ينشر فيه ديوانه، والموقف الطَّويل فيه غمومه وأحزانه، والجحيم الشَّديد فيه من العذابِ ألوانه، ذكر العرض أجرى دموعَ الخائفين وهوْل الحساب قلقل أفئدة التَّائبين.
سَأَلَ رجلٌ ذا النونِ (١): ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال: "ذكر المقامِ، وقلة الزادِ، وخوف الحساب". ولِمَ لا تذوبُ أبدانُ العبادِ، وتذهل عقولُهم والعرض على اللهِ تعالى أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف ينتظرون أمر الجبّار في الأخْيار، والأشرارِ؟! فمثل القوم هذا في نفوسهم، وجعلوه نصبَ أعينهم. إخواني قد شملت الغلة الخلائق حَتَّى سترت عنهم وجوه الحقائق فصار اليقينُ عندهم كالظنونِ فالعاقل يفعل فعل المجنون ولله درّ القائل:
يا أيُّها الراقد كَمْ ترقد ... قمْ يا حبيبي قد دَنا الموعد
وخذْ من الليل وساعاته ... حظا إذَا مَا هجع الرُّقَدُ
مَنْ نَامَ حَتَّى ينقضي ليلُه ... لمْ يبلغ المنزل أو يجهد
قلْ لذوي الألبابِ أهل التقى ... فنظرة العرض لكم موعد (٢)