فاستعد لسفرك وتأهب لرحيلك، وحوّل جهازك من المنزل الذي أنت عنه إلى المنزل الذي أنت فيه مُقيم، ولا تغتر بما اغتر به البطَّالون قبلك من طول آمالهم فقصَّروا في أمر معادهم فندموا عند الموت أشد الندامة، وأسفوا على تضييع أعمارهم أشد الأسف.
فلا الندامة عند الموت تنفعهم ولا الأسف الذي على التقصير أنقذهم من سوء ما نالهم، وشدة ما هالهم.
ثم قال: يا بُني بادر، ثم بادر.
فأصبح الفتى وقال: ما أرى هذا الأمر إلَّا قد أظلني، فأدى ولم يزل يُعطي ويُقسم ويتصدق إلى أن كان اليوم الثالث من صبيحة الرؤيا فدعا أهله وولده فودَّعهم وسلَّم عليهم.
ثم استقبل القبلة وتشهد شهادة الحق، ثم مات، فكان الناس يزورون قبورهم ويتوسلون (¬١) إلى اللَّه تعالى بهم في قضاء حوائجهم فتُقضى.
الثالثة عشر: عن عبد اللَّه بن مهران قال:
حج الرشيد فوافى الكوفة، فأقام بها أيامًا ثم ضرب بالرحيل، فخرج الناس وخرج بهلول المجنون (¬٢) فيمن خرج فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه، ويولعون به.
إذ أقبلت هوادج هارون، فكف الصبيان عن الولوع به.
فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين:
فكشف هارون السِّجاف (¬٣) بيده وقال: لبيك يا بهلول.