فقال: عن ممشاك عندي لكبير، خذه بما شئت.
فاشتريته، وأخذت به نحو دار الفضيل، فمشيت ساعة، ثم قال لي: يا مولاي، قلت لبيك، فقال: لا تقل لبيك، فإن العبد أولى أن يلبي مولاه، فقلت: ما حاجتك يا حبيبي؟ قال أنا ضعيف البدن لا أطيق الخدمة، وقد كان لك في غيري سعة، وقد أخرج إليك ما هو أجلد (¬١) مني، قلت: لا يراني اللَّه أستخدمك، ولكن أشتري لك منزلا وأزوجك وأخدمك أنا بنفسي، فبكى، فقلت له: ما يبكيك؟
قال: أنت لم تفعل بي هذا إلا وقد رأيت بعض صلاتي للَّه تعالى، وإلا فلم اخترتني من بين أولئك؟ فقلت له: ليس بك حاجة إلى هذا. فقال: سألتك إلا ما أخبرتني. فقلت له: بإجابة دعوتك، فقال لي: أحسبك إن شاء اللَّه رجلا صالحا، إن للَّه ﷿ خبرة في خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده، ولا يُظْهِر عليهم إلا من ارتضى من خلقه (¬٢)، ثم قال: ترى أن تقف عليَّ قليلا، فإنه قد بقيت عليَّ ركعات من البارحة، قلت: هذا منزل الفضيل قريب، قال: لا ههنا أَحَبَّ إليَّ، أمر اللَّه ﷿ لا يؤخر.
فدخل المسجد فلا زال يصلي حتى أتى على ما أراد، ثم التفت إليَّ وقال: يا أبا عبد الرحمن هل من حاجة؟ قلت: لِمَ؟ قال: إني أريد الانصراف. قلت: إلى أين؟ قال إلى الآخرة، فقلت: لا تفعل، دعني أسرُّ بك.
فقال: إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه، فأما إذا اطلعت عليها فسيطلع عليها غيرك، ولا حاجة لي في ذلك، ثم خر لوجه فجعل يقول: إلهي اقبضني الساعة الساعة، فدنوت منه فإذا هو قد مات (¬٣). فواللَّه ما ذكرته إلا طال حزني