قساوة، فمضيت إلى الشرطة، لعلي أعتبر بمن يعاقب في الدنيا، فوجدت قلبي لا يزداد إلا قساوة، فقلت: أمضي إلى المارستان لعلي أرتعد وأنزجر بمن ابتلي، فلما ولجت المارستان (¬١) وجدت قلبي قد انفسح، وصدري قد انشرح.
وإذا أنا بجارية من أنضر الناس وجهًا، عليها أطمار (¬٢) حسنة رفيعة، وشممت منها رائحة عطرة، عفيفة المنظر، وسيمة الخطر (¬٣)، وهي مقيدة الرجلين، مغلولة اليدين، فلما رأتني تغرغرت عيناها بالدموع، وأنشأت تقول:
أعندك أن تغل يدي … بغير جريرة سبقت
تغل يدي إلى عنقي … وما خانت وما سرقت
وبين جوانحي كبدًا … حنَّ بها قد احترقت
وحقك يا منى قلبي … يمينا برة صدقت
فلو قطتهما قطعًا … وحقك عنك ما رجعت
قال السري: فلما سمعت كلامها قلت لصاحب المارستان: ما هذه الجارية؟ قال: مملوكة اختل (¬٤) عقلها فحبسها مولاها لعلها تنصلح، فلما سمعت كلام القيم تشرَّفت (¬٥) بدموعها وجعلت تقول:
معشر الناس ما جننت ولكن … أنا سكرانة وقلبي صاحي
أغللتم يدي ولم آت ذنبا … غير جهدي في حبه وافتضاحي
أنا مفتونة بحب حبيب … لست أبغي من بابه من براحي
فصلاحي الذي زعمتم فسادي … وفسادى الذي زعمتم صلاحي
ما على من أحب مولى الموالي … وارتضاه لنفسه من جناحي
قال: سمعت كلامًا أقلقني وأشجاني (¬٦) وأحرفني وأبكاني، فلما رأت دموعي قالت: يا سري هذا بكاؤك على صفته، فكيف لو عرفته حق معرفته؟! ثم أغمي عليها ساعة، فلما أفاقت جعلت تقول: