ورحب بي وعظمني، فقلت له: هي أولى بالتعظيم مني؛ فما الذي تكره منها؟ فقال: أمور كثيرة: لا تأكل ولا تشرب، ذاهلة (¬١) العقل مدهوشة اللب، لا تنام ولا تدعنا ننام، كثيرة الفكرة، سريعة الدمعة، ذات زفرة وحنين وبكاء وأنين، وهي بضاعتي اشتريتها بكل مالي؛ بعشرين ألف درهم، وقلت: أنا أربح فيها مثل ثمنها لحسن صنعتها، قلت: وما صنعتها؟ قال: مطربة، قلت: ومنذ كم كان بها هذا الداء؟ قال: منذ سنة، قلت: وما كان بدؤه؟ قال: بينما العود في حجرها وهي تغني وتقول:
وحقك لا نقضت الدهر عهدا … ولا كدَّرت بعد الصفو ودًّا
ملأت جوانحي (¬٢) والقلب وجدا … فكيف ألَذُّ وأسلو وأهدى
فيا من ليس لي مولى سواه … تُرَاكَ رضيتني في الناس عبدا
ثم كسرت العود وقامت وبكت، فاتهمتها بمحبة إنسان، فَكَشَفْتُ عن ذلك فلم أجد له أثرًا، فقلت لها: هكذا كان الحديث، فأجابتني بلسان طلق وقلب محزون وهي تقول:
خاطبني الحق من جناني … فكان وعظي على لساني
قربني منه بعد بُعد … وخصني اللَّه واصطفاني
أجيب لما دعيت طوعًا … ملبيا للذي دعاني
وحققت مما جنيت قدما … فوقع الحب بالأماني
قال السري: فقلت له: على الثمن وأزيدك، فصاح وقال: وافقداه من أين لك ثمن هذه وأنت رجل فقير؟!! فقلت له: لا تعجل عليَّ تكون في المارستان حتى آتي بثمنها، ثم ذهبت باكي العين حزين القلب، وواللَّه ما عندي من ثمنها درهم، وبقيت طول الليل أتضرع، فلم أغمض، وأقول: يا رب إنك تعلم سري وجهري، وقد عودتني على فضلك فلا تفضحني، فبينما أنا في المحراب إذا بقارع يقرع الباب، فقلت: من بالباب؟ فقال: حبيب من الأحباب؟ جاء في سبب من الأسباب، بأمر الملك والوهاب، ففتحت الباب، وإذا برجل معه أربعة غلمان وشمعة، فقال: يا أستاذ تأذن لي بالدخول؟ فقلت: ادخل، فدخل، فقلت له: من أنت؟ قال: أحمد بن المثنى قد أعطاني من إذا أعطى لا يبخل بالعطاء، كنت الليلة نائمًا، فهتف بي هاتف