والثاني: من الوجهين اللذين قررهما الغزالي في طريق الاستدلال من الحديث أنا لا ندعي الاطراد؛ بل علم الاستدلال، وقرره من وجهين:
أحدهما: شهرة الأحاديث بين الصحابة والتابعين، وتمسكهم بها من غير نكير ...
والثاني: أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلاً مقطوعًا، وهو الإجماع، ويستحيل عادة التسليم بخبر رفع المقطوع إلا إذا استند إلى مقطوع به.
قلت: وهذا ما ذكره المصنف (١) بقوله: (تلقي الأمة لها بالقبول).
واعترض (٢): بأن ذلك لا يخرجها عن الآحاد، فلا يكون مقطوعًا، فلا يستدل على الإجماع به؛ إما للزوم الدور على ما ادعاه؛ أو لأنه لا بد في الدليل على حجية الإجماع من قاطع.
ولقائل أن يقول: تلقي الأمة للخبر بالقبول وإن لم يخرجه عن الآحاد، فلا يلزم أن يكون مظنونًا؛ لأن خبر الواحد قد تعضده قرينة تصيره مقطوعًا، وجاز أن تكون القرينة هي تلقيهم بالقبول فيستدل به على الإجماع. ولم يدع الغزالي غير هذا، فتأمل هذا، فقد صرح في الوجهين الأخيرين باستفادة القطع منه ... فمن فهم عن الغزالي أنه أراد خبر واحد مجرد عما يعضده وهو يصيره مفيدًا للعلم؛ فقد فهم ما صرح بخلافه.
ثم نقول: هذا الطريق الثاني (٣) هو الذي اعتمده صاحب الكتاب (٤)، وركَّب منه دليليه السابقين (٥) فافهمه، وبهذا يتضح لك أن ما رده هنا هو ما استدل به ثَمَّ،