الزوْجَةِ الموظفات عليه والذي نصَّ عليه الشافعي ﵁ في كتبه قديماً وحديثاً: أنه إذا أعْسَرَ بالنفقة، كانت المرأة بالخيار، إن شاءت، صَبَرَتْ وأنفقت من مالها، أو استقرضت ونفقتها في ذمته إلى أن يُوسِرَ، وإن شاءت، طلَبَتْ فسْخَ النكاح.
وقال في بعض الكتب بعد ذكر ذلك: وقد قيل: إنه لا خيار لها، واختلف الأصْحَابُ عَلَى طريقَيْن:
أظهرهما: أن في المسألة، قولَيْنِ:
أصحُّهما: أن لها خيارَ الفَسْخ، وبه قال مالك وأحمد؛ لِمَا رُوِيَ عن أبي هريرة ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال: في الرجل لا يجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأته: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" (١): ويروى مَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وسئل سعيد بن المُسيِّب ﵁ عن رَجُلٍ لا يجد ما ينفق على أهْلِهِ قال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فقيل له: سُنَّةٌ؟ قال: نَعَمْ، سُنَّةٌ (٢) " قال الشافعيُّ ﵁: الذي يشبه أن يكون قول ابن المسيِّب ﵁ أنَّه سُنَّةُ رسول الله ﷺ، وأيضاً فالعجز عن الوطء بالجبِّ والعُنَّة يُثْبِت حق الفسخ، فالعَجْز عن النفقة [أولى؛ لأنَّ الصَّبْر عن الاستمتاع أسْهَلُ من الصبر عن النفقة] وعبر عن ذلك بأن النفقة أمْرٌ مقصودٌ بكل نكاحٍ، فيَثْبُت الخِيَارُ بفَقْدِهِ، كالاستمتاع، وقَصَدَ بالقيد المذكور الاحترازَ عن الزيادة على نَفَقَةِ المُعْسِرين، وعن نفقة الخادمة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: أنَّه لا فَسْخ لها؛ لأنَّ المُعْسِر مُنْظَرٌ، ولأنَّ الفَسْخ يُفوِّت حقه، وترك الفسخ يُؤَخِّر حقها، والتفويت أشَدُّ من التأخير، ولأنها نفقةٌ واجبةٌ، فلا يثبت بها حقُّ الفَسْخ، كالنفقة الماضية.
قال القاضِي الرُّويانيُّ: قال جَدِّي: وبهذا أفتى.
والطريق الثاني: القطْعُ بالقَوْل الأوَّل، وحمْلُ الآخر على حكايته مذْهَب الغَيْر، وهذا أظهر عند القاضيين ابن كج والرويانيِّ، وإذا قلْنا بالأصحِّ، احتجنا إلى معرفةِ ما يثبت طلَبَ التفريق، ومعرفة حقيقة هذا التفريق، ووقته ومَنْ له طلبه، فجعل صاحب الكتاب الكلامَ في أربعة أطراف:
أما الأول، ففيه مَسَائِلُ: