وظاهر الأمر بإبرار المقسم للوجوب إلا أنه مصروف إلى الاستحباب بحديث ابن عباس في قصة تأويل أبي بكر لرؤيا رآها رجلٌ -في حضرة النبي ﷺ وفيه قال أبو بكر: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأتُ في الرؤيا، فقال ﷺ: «لا تقسم» (١).
يعني: لا تكرر القسم، لأنني لن أجيبك، ولعل هذا الصنيع من رسول الله ﷺ كان لبيان الجواز، فإنه ﷺ لا يفعل خلاف المستحسن إلا بقصد بيان الجواز، وإلا فقد كان ﷺ يبرُّ بقسم الناس، ففي حديث المغيرة بن شعبة: «... قلت: يا رسول الله، أقسمتُ عليك لما أعطيتني يدك، فناولني يده، فأدخلتُها في كمي حتى انتهيت إلى صدري فوجده معصوبًا، فقال: «إن لك عذرًا» (٢).
إذا لم يبرَّ قسم أخيه، فهل يلزم الحالف كفارة؟
١ - إذا قال لأخيه: بالله افعل كذا، أو أسألك بالله لتفعلن، فهذا طلب محض وسؤال وليس بيمين، فلا كفارة فيه، وفي الحديث: «من سألكم بالله فأعطوه» ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله.
٢ - إذا قال: والله لتفعلن كذا، فأحنثه، فقيل: يلزم الحالف كفارة، وهو منقول عن عمر وأهل المدينة وعطاء وقتادة والأوزاعي والشافعي (٣)، وقال ابن حزم: لا كفارة عليه لأنه لم يقصد الحنث، ويؤيده حديث أبي بكر المتقدم، والله أعلم.
٤ - ما يترتَّبُ على البرِّ والحنث:
اليمين المنعقدة إذا برَّ فيها الحالف -أي: فعل ما أقسم عليه- فلا شيء عليه ولا تلزمه كفارة.
أما إذا حنث -أي خالف المحلوف عليه، بثبوت ما حلف على عدمه، أو عدم ما حلف على ثبوته- لزمته الكفارة.
هل يمنع الحنثَ: النسيانُ والخطأ والإكراه؟
من حلف أن لا يفعل أمرًا ففعله ناسيًا أو مخطئًا -أي: معتقدًا فعل غيره- أو مكرهًا- فالصحيح أنه لا يحنث بشيء من ذلك، لحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤).