قلنا: [لأجل ذلك ذهب بعض الأصحاب- على ما حكاه الإمام- إلى أنه معصية، والجمهور على خلافهن وحملوا قوله- ﵇: "فقد كفر" أو "أشرك"] على من حلف واعتقد فيما حلف به من التعظيم ما يعتقده في الله، ﷾.
ومنهم من حمل لفظ "الشرك" على أنه أشرك بين الله وبين غيره في التعظيم.
فإن قيل: قد أقسم الله- تعالى- في كتابه العزيز بالنجم وبالسماء وبالليل وبالتين والزيتون، وغير ذلك، وأقسم النبي ﷺ بـ "أبيه"؛ حيث قال في قصة الأعرابي: "أَفْلَحَ- وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ"، وقال لأبي القيس الدارمي: "وَأَبِيكَ، لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخْذِهَا لَأَجْزَأَكَ"، وهذا يدل على جواز الحلف بالمخلوقات.
قلنا: أما ما ورد في الكتاب العزيز فذكر "الرب" فيه مضمر، ومعناه: ورب السماء، ورب النجم؛ كما جاء في آية أخرى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣]، ولأنه ليس فوق الله تعالى أحد يعظم تعظيمه، فأقسم ببعض مخلوقاته الدالة على قدرته وحكمته؛ تعظيماً لذاته- ﷾ بخلافنا.
وأما ما ورد منه- ﵇ فيجوز أن يكون قبل ورود النهي؛ فيكون النهي ناسخاً، ويجوز أن يكون بعده فيكون ناسخاً للنهي، والظاهر: الأول؛ لأنه أخبر أن الله- تعالى- ينهانا أن نحلف بآبائنا، وذلك يدل على أنه كان مباحاً، ثم طرأ النهي عليه.
ويؤيد ذلك: أنه روي أن عمر- ﵁ قال: "والله، ما حلفت بها بعدُ ذاكراً ولا آثراً" يعني: حاكياً عن غيره، وقيل: ناسياً.
ومنهم من حمل ما جرى منه- ﵇ على أنه لم يقصد به اليمين كما يقول الواحد منا: لا والله، وبلى والله؛ فيكون من لغو اليمين.
وكما يكره أن يحلف الرجل بغير الله- ﷿ يكره لغيره تحليفه به.
وقال في "الحاوي" في باب موضع اليمين، من كتاب الأقضية: ولا يجوز أن يحلف أحد بطلاق ولا عتاق ولا نذر؛ لأنها تخرج عن حكم اليمين إلى إيقاع فرقة،