استحالة وجود إجماع صحيح على خلاف حديث صحيح دون وجود ناسخ صحيح
الثاني: لو كان يمكن إثبات الإجماع في الجملة لكان ادعاؤه في خصوص هذه المسألة غير صحيح لأنه مناقض للسنة الصحيحة وهذا مما لا يمكن تصوره أيضا لأنه يلزم منه اجتماع الأمة على ضلال وهذا مستحيل لقوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» ومثل هذا الإجماع لا وجود له إلا في الذهن والخيال ولا أصل له في الوجود والواقع قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في «أصول الأحكام» ٢/ ٧١ - ٧٢: «وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي ﷺ ويكون الإجماع على خلافه قال: وذلك دليل على أنه منسوخ. وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن لوجهين برهانيين ضروريين:
أحدهما: أن ورود حديث صحيح يكون الإجماع على خلافه معدوم لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ولا سبيل له - والله - إلى وجوده أبدا.
والثاني: أن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله ﷿ بحفظه فهو غير ضائع أبدا لا يشك في ذلك مسلم وكلام النبي ﷺ كله وحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها والذكر محفوظ بالنص فكلامه ﵇ محفوظ بحفظ الله تعالى ﷿ ضرورة منقول كله إلينا لا بد من ذلك فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ وهذا تكذيب لله ﷿ في أنه حافظ للذكر كله ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ ﵇ عن ربه وقد أبطل ذلك رسول الله ﷺ في قوله في حجة الوداع: «اللهم هل بلغت؟ »
قال: «ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح وآية صحيحة التلاوة منسوخين إما بحديث آخر صحيح وإما بآية متلوة ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت بل هو موجود عندنا إلا أننا نقول: لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا