وفي رواية: سأل إنسان يونس بن عبد الأعلى عن معنى قول النبيّ ﷺ: «أقرّوا الطير في مكناتها»، فقال: إنّ الله يحبّ الحقّ. إنّ الشافعيّ قال: كان الرجل في الجاهليّة إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكره فنفره، فإن أخذ ذات اليمين مضى لحاجته، وإن أخذ ذات الشمال رجع. فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك. (قال): وكان الشافعيّ نسيج وحده في ننهذه المعاني. وقال محمد بن مهاجر: سألت وكيعا عن تفسير هذا الحديث، فقال: هو صيد الليل.
فذكرت قول الشافعيّ، فاستحسنه، وقال: ما كنّا نظنّه إلّا صيد اللّيل.
وقيل: يعني: أقرّوها على بيضها، على أنّه مستعار من الضبّة، لأنّ المكن ليس للطير (١).
وعن إبراهيم بن محمد الشافعيّ قال: كنّا في مجلس ل [ابن] عيينة والشافعيّ حاضر، فحدّث ابن عيينة عن الزهريّ عن عليّ بن الحسين أنّ النبيّ ﷺ [١٤٨ ب] مرّ به رجل في بعض الليل وهو مع امرأته صفيّة فقال: «تعال! هذه امرأتي صفيّة! » فقال: «سبحان الله يا رسول الله! » فقال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (٢).
فقال ابن عيينة للشافعيّ: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟
فقال: إن كان القوم اتّهموا النبيّ ﷺ كانوا بتهمتهم إيّاه كفّارا. لكنّ النبيّ ﷺ أدّب من بعده فقال: إن كنتم هكذا فافعلوا هكذا، حتّى لا يظنّ بكم ظنّ السوء، لا أنّ النبيّ ﷺ يتّهم، وهو أمين الله في أرضه.
فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله! ما يجيئنا منك إلّا ما نحبّه!
وقال أحمد بن محمد ابن بنت الشافعيّ:
سمعت أبي وعمّي يقولان: كان سفيان بن عيينة إذا جاء شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها، التفت إلى الشافعيّ وقال: أسألوا هذا.
وعن سويد بن سعيد: كنّا عند سفيان بن عيينة بمكّة، فجاء الشافعيّ فسلّم وجلس. فروى ابن عيينة حديثا رقيقا، فغشي على الشافعيّ، فقيل له:
يا أبا محمّد، مات محمد بن إدريس!
فقال ابن عيينة: إن كان مات محمد بن إدريس، فقد مات أفضل أهل زمانه.
[قدرته على الإفتاء منذ الصغر]
وقال عبد الله بن الزبير الحميديّ: سمعت مسلم بن خالد الزنجيّ يقول للشافعيّ محمد بن إدريس:
أفت أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتي! - وهو ابن ستّ عشرة سنة- وفي رواية: وكان ابن خمس عشرة سنة. [وفي رواية: سمعت مسلم بن خالد الزنجيّ- ومرّ على الشافعيّ، وهو يفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة، فقال: يا أبا عبد الله، أفت، فقد آن لك أن تفتي! ] (٣). قال الخطيب: هكذا ذكر في هذه الحكاية أنّه سمع مسلم بن خالد، ومرّ على الشافعيّ وهو ابن خمس عشرة يفتي فقال له: «أفت! » وليس ذلك بمستقيم لأنّ الحميديّ كان يصغر عن إدراك الشافعيّ وله تلك السنّ، والصواب ما أخبرنا عليّ بن الحسين: حدّثنا محمد بن إسحاق الصفّار:
ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزوينيّ قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت عبد الله بن الزبير الحميديّ (٤) يقول: قال مسلم بن خالد الزنجيّ للشافعيّ: يا أبا عبد الله، أفت الناس، آن لك والله أن تفتي- وهو ابن دون عشرين سنة.