قال محمَّدُ بن إسْحَاق: قد ذَكَرْنَا نَفَرًا من الأطِبَّاء ممَّن لم يَصِلْ إلينا لهم تَصْنِيفٌ، ولا خَرَجَ لهم إلى العَرَبِيّ كِتَابٌ، إلَّا ما نَعْلَمُه إلى وَقْتِنا هذا. ونحن نبدأ بذِكْر الأطِبَّاء المُؤلِّفِين الذين وَصَلَت كُتُبُهم إلينا ونُقِلَت إلى العَرَبِيّ. ونَبْدَأ ببُقْرَاط رَأسِ الأطِبَّاء.
بُقْرَاطُ ويُقالُ بالتَّاء
وهو يُقْرَاطُ بن إيرَاقْلِيس (¬١)، من تَلامِيذ أسْقِلِبْيُوس الثَّانِي. وكان أسْقِلبْيُوس لمَّا مَاتَ خَلَّفَ ثَلاثَة تلاميذ وهم: ماغارينس، ووارخس، وبُقْراط. فلمَّا مَاتَ ماغارينس ووارخس انْتَهَت الرِّئاسَةُ إلى بُقْرَاط.
قال يحيى النَّحْوِيّ: يُقْرَاطُ وَحِيدُ دَهْرِه، الكامِلُ الفَاضِلُ المُبينُ للعِلْم لسَائِر الأشْيَاء، الذي يُضْرَب به المَثَلُ، الطَّبيبُ الفَيْلَسُوف. وبَلَغَ به الأَمْرُ أَنَّ عَبَدَهُ النَّاسُ، وسِيرَتُه طَويلَة. وقَوَّى صِنَاعَة القِيَاس والتَّجْرِبَةِ قُوَّةً عَجِيبَةً، لا يَتَهَيَّأ لطَاعِنٍ أنْ يَتَكَلَّم فيها. وهو أَوَّلُ من عَلَّم الغُرَبَاءَ الطِّبَّ، وجَعَلَهم شَبِيهًا بِأَوْلادِه، لمَّا خَافَ على الطِّبِّ أنْ يَفْنَى من العَالَم، كما ذَكَرَ ذلك في كِتَابِ عَهْدِهِ إِلى الأَطِبَّاءِ الغُرَبَاء