ويُحَذِّرُوا من غَضَبِه، ووَعَدُوا مَنْ أطَاعَ نَعِيمًا لا يَزُولُ، وأَوْعَدُوا مَنْ عَصَى عَذَابًا واقْتِصَاصًا بقَدْرِ اسْتِحْقَاقِه، ثم يَنْقَطِعُ ذَلِك.
وقد حُكي عن بَعْض أَوَائِلهم أَنَّه قال: يُعَذِّبُ الله تِسْعَةَ أَلْفِ دَوْرٍ، ثم يَصِيرُ إلى رَحْمَةِ الله، وأنْ يَخُصَّ هؤلاء القَوْم الذين دَعَوْا إلى الله، وإلى الحَنِيفيَّة التي يَتَسَمَّون بها. وأنَّ مَشْهُوريهم وأعْلامَهُم: أرَاني، وأَغْثَاذَيْمُون، وهِرْمِس، وبَعْضُهم يَذْكُر سولون جَدّ فَلَاطُن الفَيْلَسُوف لأُمِّه. ودَعْوَةُ هؤلاء القَوْم كلِّهم وَاحِدَة، وسُنَّتُهم وشَرَائِعُهُم غير مُخْتَلِفَة. جَعَلُوا قِبْلَتَهُم وَاحِدَة، بأنْ صَيَّرُوها لقُطْب الشَّمَالِ في سَفَرِه. العُقَلَاءُ قَصَدُوا بذلك للبحث عن الحِكْمَة، ودَفَعُوا ما نَاقَضَ الفِطْرَة. ولَزِمُوا فَضَائِلَ النَّفْس الأرْبَع، وأخَذُوا بالفَضَائِل الجُزئِيَّة، وتَجَنَّبُوا الرَّذَائِلَ الجُزْئِيَّة، وقالوا: إِنَّ السَّمَاءَ تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً اخْتِيارِيَّةً وعَقْلِيَّةً.