صحيفة، وقد رأيتم كيف قال لكم في الحديث عن واقعة الحرّة: إنه قتل فيها ثمانون من أهل بدر. وآخرُ من مات من أهل بدر سعد بن أبي وقاص (١)، وقد توفي قبل وقعة الحرّة لإجماع، لم يكتف المؤلف بهذه الجنايات العلمية، فحاول أن يستنبط شيئاً في النهي عن رواية شعر أمية؛ ليثبت أن هذا الشعر المعزّو إلى أمية ليس منه في شيء، يقول هذا، وفي "الجامع الصحيح" للإمام مسلم: عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوماً، فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت: نعم. قال: "هيه". فأنشدته بيتاً. فقال: "هيه"، حتى أنشدته مئة بيت.
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن النبي - صلوات الله عليه - سمع شعر أمية، واستحسنه، واستزاد المنشد منه حتى بلغ مئة بيت، ولم يرد أثر في النهي عن رواية شعره إلا ما يوجد في مثل كتاب "الأغاني" من أنه ﵊ نهى عن رواية القصيدة التي رثى بها أمية قتلى قريش في وقعة بدر. ولو صحّ هذا الأثر، لكان النهي مقصوراً على هذه القصيدة، أو يأخذ معها ما فيه هجاء النبي ﷺ وأصحابه، أما أن يكون النبي ﷺ أو غيره قد نهى عن رواية شعر أمية بإطلاق، فمن أحاديث المؤلف التي لا يشهد بها واقع، ولا يقتضيها معقول. على أنا نجد هذه القصيدة -التي يقولون: إن النبي ﷺ نهى عن روايتها- واردة في بعض كتب السير والمغازي، وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتاً، وقال: "تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ" (٢).