وقوله: "وَإِنْ أَسَاؤوا أَنْ لا تَظْلِمُوا" وهو شامل للعفو والانتصار، إلا أن العفو صاحبه سابق؛ لأنه محسن مانٌّ بالعفو.
قال أمير المؤمنين علي ﵁ وهو من أفضل السابقين -: قال لي رسول الله ﷺ: "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرِ أَخْلاقِ الأوَّلِيْنَ وَالآخِرِيْنَ؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: "تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَنْ مَنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ". رواه البيهقي في "الشعب" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لَنْ يَنَالَ عَبْدٌ صَرِيْحَ الإيِمَانِ حَتَّى يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَيَعْفُوَ عَنْ مَنْ ظَلَمَهُ، وَيغْفِرَ لِمَنْ شَتَمَهُ، وَيحْسِنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ" (٢).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته - أي: حتى يسبق إلى أعلى خصاله - قال: ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامُّه عنده سواء.
قال عون بن عبد الله: ففسرها أصحاب عبد الله؛ قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، وحتى يكون التواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده