فنزل قوله: ولا تمدن عينيك، وقال ﷺ «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم» ، وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له، وعن الحسن لولا حمق الناس لخربت الدنيا، وعن عيسى ابن مريم ﵇: لا تتخذوا الدنيا داراً، فتتخذكم لها عبيداً. ولما أمر الله تعالى نبيه محمد ﷺ بتزكية النفس أمره بأن يأمر أهله بالصلاة بقوله ﷿:
﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ أي: أمر أهل بيتك والتابعين لك من أمتك بالصلاة كما كان أبوك إسماعيل ﵇ يدعوهم إلى كل خير إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة، وكان ﷺ بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي ﵄ كل صباح ويقول: الصلاة ﴿واصطبر﴾ أي: داوم ﴿عليها لا نسألك﴾ أي: نكلفك ﴿رزقاً﴾ لنفسك ولا لغيرك ﴿نحن نرزقك﴾ وغيرك كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد إن يطعمون إن الله هو الرازق ذو القوة المتين﴾ (الذاريات، ٥٨)
ففرِّغ بالك لأمور الآخرة، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله.
وروي أنه ﷺ كان إذا أصاب أهله ضرٌّ أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلطان قرأ: ولا تمدن عينيك الآية، ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية: ﴿والعاقبة﴾ أي: الجميلة المحمودة ﴿للتقوى﴾ أي: لأهل التقوى قال ابن عباس: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني، ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ (الأعراف، ١٢٨) ، ولا معونة على الرزق وغيره بشيء يوازي الصلاة، فقد كان ﷺ إذا حزبه أمر أي بالباء الموحدة أي: إذا أحزنه فزع إلى الصلاة قال ثابت: وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ «يقول الله تعالى: تفرغ لعبادتي املأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك» ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به هموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك» وعن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» ، ثم إنه تعالى بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهاً بقوله تعالى:
﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه﴾ فكأنه من لوازم قوله تعالى: ﴿فاصبر على مايقولون﴾ وهو قولهم لولا أي: هلا يأتينا بآية، وقال في موضع آخر: لو ما تأتينا بآية كما أرسل الأوّلون، ثم أجاب الله تعالى عن رسوله ﷺ بقوله: ﴿أولم تأتهم بينة﴾ أي: بيان ﴿ما في الصحف الأولى﴾ من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية المشتمل عليه القرآن أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم