قوم نوح في ذلك ﴿للناس آية﴾ أي: لمن بعدهم عبرة ليعتبر كل من سلك طريقهم ﴿وأعتدنا﴾ أي: هيأنا في الآخرة ﴿للظالمين﴾ أي: للكافرين، وكان الأصل لهم ولكنه تعالى أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ﴿عذاباً أليماً﴾ أي: مؤلماً سوى ما يحل بهم في الدنيا. القصة الثالثة: قصة هود ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿وعاداً﴾ أي: ودمرنا عاداً قوم هود بالريح. القصة الرابعة: قصة صالح ﵇ المذكورة في قوله: ﴿وثموداً﴾ أي: ودمرنا ثموداً قوم صالح بالصيحة. القصة الخامسة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وأصحاب الرس﴾ أي: البئر التي هي غير مطوية أي: مبنية قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر أي: ودمرناهم بالخسف.
واختلف في نبيهم، فقيل: شعيب وقيل غيره، كانوا قعوداً حولها فانهارت بهم وبمنازلهم فهلكوا جميعاً، وقال الكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله تعالى وفلج بفتح الفاء واللام والجيم قرية عظيمة بناحية اليمن من مساكن عاد وبسكون اللام وادٍ قريب من البصرة، وقيل: الرس الأخدود، وقيل: بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار، وقيل: أصحاب حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له: تخ، قيل: هو بتاء فوقية، فخاء معجمة أو مهملة، وبياء تحتية وجيم وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
﴿وقروناً﴾ أي: ودمرنا قروناً ﴿بين ذلك﴾ أي: الأمر العظيم المذكور وهو بين كل أمتين من هذه الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة، ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود، ثم قال الله تعالى: ﴿كثيراً﴾ وناهيك بما يقول فيه ﷾ أنه كثير وأسند البغوي في تفسير أمة وسطاً في البقرة عن أبي سعيد الخدري قال: «قام فينا رسول الله ﷺ يوماً بعد صلاة العصر فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله ﷿» ، ثم إنه تعالى قال تسلية لنبيه محمد ﷺ وتأسية وبياناً لشريعته بالعفو عن أمته:
﴿وكلاً﴾ أي: من هذه الأمم ﴿ضربنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿له الأمثال﴾ حتى وضح له السبيل وقام من غير شبهة الدليل ﴿وكلاً تبرنا تتبيراً﴾ أي: أهلكنا إهلاكاً، وقال الأخفش: كسرنا تكسيراً، وقال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته.
﴿ولقد أتوا﴾ أي: هؤلاء المكذبون من قومك ﴿على القرية التي أمطرت﴾ أي: وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة ولذا قال تعالى: ﴿مطر السوء﴾ مصدر ساء وهي قرى قوم لوط، قال البغوي: كانت خمس قرى، فأهلك الله تعالى أربعاً منها لعملهم الفاحشة، وبختنصر واحدة منهم وهي صغر وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث فإن قيل: لم عبر تعالى بالقرية وهي قرى؟ أجيب: بأنه تعالى قال ذلك تحقيراً لشأنها في جنب قدرته تعالى وإهانة لمن يريد عذابه. ولانهماكهم على الفاحشة جميعهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد