في البدن، وأما في المعارف فتارة وتارة وهذا أيضاً في غير الأنبياء ﵈، أما هم فلا ينقص شيء من قواهم بل تزداد كما روي أن النبي ﷺ كان يمشي غير مكترث وأن الصحابة ﵃ يجهدون أنفسهم فيكون جهدهم أن لا يدركوا مشيته الهوينا و «أنه ﷺ صارع ركانة» الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقاً من نفسه أنه يصرع من صارعه فلم يملكه النبي ﷺ نفسه وعاد إلى ذلك ثلاث مرات كل ذلك لا يتمسك في يده حتى خرج يقول: إن هذا لعجب يا محمد تصرعني» ، وحتى: «أنه دار على نسائه وهن تسع كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد» إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس.
ولم يحك عن نبي من الأنبياء ﵈ ممن عاش منهم ألفاً وممن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة: «أن ملك الموت ﵇ أرسل إلى موسى ﵇ ليقبض روحه فلما جاءه صَكّهُ ففقأ عينه فقال لربه: أرسلتني لعبد لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي: رب ثم ماذا؟ قال: الموت قال: فالآن» وكان موسى وقت قبضه ابن مائة وعشرين سنة ﴿أفلا يعقلون﴾ أي: أن القادر على ذلك عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وقرأ نافع وابن ذكوان بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة.
ولما منح الله تعالى نبينا محمداً ﷺ غرائز من الفضائل مما عجز عنها الأولون والآخرون، وأتى بقرآن أعجز الأنس والجن، وعلوم وبركات فاقت القوى ليس بشعر خلافاً لما رموه به بغياً وكذباً وعدواناً قال تعالى:
﴿وما علمناه﴾ أي: نحن ﴿الشعر﴾ فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم، ورويِّ مقصود وقافية يلتزمها ويدير المعاني عليها ويحتلب الألفاظ تكلفاً إليها كما كان زهير وغيره في قصائدهم ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ (ص: ٨٦)
لأن ذلك، وإن كنتم أنتم تعدونه فخراً لا يليق بجنابنا؛ لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافية ملتزمة على أن فيه نقيصة أخرى وهي أعظم ما يوجب النفرة عنه وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني، ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ثم أسكنا فيه ينابيع الحكمة ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة بما ألهمنا إياه، ثم ألقاه إليه جبريل ﵇ مما أمرناه به من جوامع الكلم والحكم فلا تكلف عنده أصلاً: «ما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم» .
ولما كان الشعر مع ما يبنى عليه من التكلف الذي هو بعيد جداً عن سجايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف شرفهم بما يكسب مدحاً وهجواً فيكون أكثره كذباً إلى غير ذلك.
قال تعالى ﴿وما ينبغي له﴾ أي: وما يصح له الشعر ولا يسهل له على ما أختبرتم من طبعه نحواً من أربعين سنة؛ لأن منصبه أجل وهمته أعلى من أن يكون مداحاً أو عياباً أو أن يتقيد بما قد يجر نقيصة في المعنى وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له، كما جعلناه أمياً لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض، وما كان يتزن له بيت شعر حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً روى الحسن: «أن النبي