إبراهيم ﵇ كذبة وأوردوا فيه حديثاً عن النبي ﷺ أنه قال: «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» قلت: ولبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن ينقل؛ إذ فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم ﵇ فقال ذلك الرجل: فكيف نحكم بكذب الراوي العدل؟ فقلت له: لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبة الكذب إلى الراوي أولى، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ أي: نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال: إنها منجمة أي: مفرقة ومنه نجوم المكاتب والمعنى: أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله: ﴿إني سقيم﴾ والمراد: أنه لا بد من أن يصير سقيماً كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر إنك مسافر.
ولما قال: ﴿إني سقيم﴾ تولوا عنه كما قال تعالى:
﴿فتولوا عنه﴾ أي: إلى عيدهم ﴿مدبرين﴾ أي: هاربين مخافة العدوى وتركوه وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم.
﴿فراغ﴾ أي: مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته بمكان ولا يقال: راغ حتى يكون صاحبه مخفياً لذهابه ومجيئه ﴿إلى آلهتهم﴾ وعندها الطعام ﴿فقال﴾ استهزاء بها ﴿ألا تأكلون﴾ أي: الطعام الذي كان بين أيديهم فلم ينطقوا فقال استهزاء بها أيضاً:
﴿ما لكم لا تنطقون﴾ فلم تجب.
﴿فراغ عليهم﴾ أي: مال عليهم مستخفياً وقوله تعالى ﴿ضرباً﴾ مصدر واقع موقع الحال أي: فراغ عليهم ضارباً أو مصدر لفعل، وذلك الفعل حال تقديره فراغ يضرب ضرباً وقوله تعالى: ﴿باليمن﴾ متعلق بضرباً إن لم نجعله مؤكداً وإلا فبعامله، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر، وأن يراد بها القوة واقتصر عليه الجلال المحلي فالباء على هذا للحال أي: متلبساً بالقوة وأن يراد بها الحلف وفاء بقوله ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ (الأنبياء: ٥٧)
والباء على هذا للسبب وعدى راغ الثاني بعلى لما كان مع الضرب المستولي من فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع توبيخ لهم، وأتى بضمير العقلاء في قوله تعالى: ﴿عليهم ضرباً﴾ على ظن عبدتها أنها كالعقلاء ثم إنه ﵇ كسرها فبلغ قومه من ورائه ذلك.
﴿فأقبلوا إليه﴾ أي: إلى إبراهيم بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة ﴿يزفون﴾ أي: يسرعون المشي، وقرأ حمزة بضم الياء على البناء للمفعول من أزفه أي: يحملون على الزفيف، والباقون بفتحها من زف يزف فقالوا: نحن نعبدها وأنت تكسرها.
﴿قال﴾ لهم توبيخاً ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ أي: من الحجارة وغيرها أصناماً.
﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ أي: نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده.
تنبيه: دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية وهو أن فعل العبد مخلوق لله ﷿ وهو الحق وذلك؛ لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله تعالى ﴿وما تعملون﴾ معناه وعملكم وعلى هذا فيصير معنى الآية: والله خلقكم وخلق عملكم.
ولما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة الإيذاء لئلا يظهر للعامة عجزهم بأن:
﴿قالوا ابنوا له بنياناً﴾ قال ابن عباس ﵄: بنوا حائطاً من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وملؤوه ناراً